مقالات

الإرهاب الإلكتروني.. الخطر الذي يسكن الهواتف

اللواء د. رضا فرحات

محافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق

أستاذ العلوم السياسية

 

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو نافذة للتواصل الاجتماعي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة لحروب جديدة تتجاوز الحدود والجغرافيا، حروب تستهدف العقول قبل الأجساد، وتعمل على نشر الفوضى والتطرف والشائعات داخل المجتمعات. وفي ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبح “الإرهاب الإلكتروني” أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول الحديثة، لما يمثله من تهديد مباشر للأمن القومي والاستقرار المجتمعي.

 

إن الإرهاب لم يعد يعتمد فقط على السلاح التقليدي أو العمليات الميدانية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي مستفيدًا من السرعة الهائلة في تداول المعلومات وصعوبة الرقابة الكاملة على المحتوى الإلكتروني، وأصبحت الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية تستخدم المنصات الرقمية لبث أفكارها المتشددة، واستقطاب الشباب، وتجنيد العناصر، ونشر مقاطع التحريض والعنف، مستهدفة الفئات الأكثر تأثرًا بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة.

 

والأخطر من ذلك أن الإرهاب الإلكتروني لا يقتصر فقط على التنظيمات المتطرفة، بل يمتد إلى حملات ممنهجة تستهدف نشر الشائعات والأخبار الكاذبة والتشكيك في مؤسسات الدولة الوطنية، بما يؤدي إلى إثارة البلبلة وإضعاف الثقة داخل المجتمع. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الشائعة الإلكترونية أصبحت أحيانًا أكثر تأثيرًا من الأسلحة التقليدية، لأنها تضرب الوعي الجمعي وتخلق حالة من الانقسام والارتباك وفقدان اليقين.

 

لقد أصبح الهاتف المحمول في يد البعض أداة لتزييف الحقائق وبث الكراهية والتحريض ونشر الفوضى، في ظل عالم رقمي مفتوح لا يعترف بالحدود. ومن هنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بـ”الإرهاب الناعم”، الذي لا يستخدم القنابل بقدر ما يستخدم الكلمة المضللة والصورة المفبركة والمعلومة الكاذبة، بهدف التأثير على الرأي العام وزعزعة استقرار الدول.

 

إن مواجهة الإرهاب الإلكتروني لا تعني فرض القيود على حرية الرأي والتعبير، وإنما تستهدف حماية المجتمع من الاستخدامات غير المشروعة للتكنولوجيا، والحفاظ على حق المواطنين في الحصول على معلومات صحيحة وبيئة رقمية آمنة. فالدولة الحديثة مطالبة بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين حماية الحريات العامة وبين مواجهة الجرائم السيبرانية والانتهاكات المعلوماتية.

 

كما أن التصدي لهذا الخطر يتطلب استراتيجية شاملة لا تعتمد فقط على الحلول الأمنية، بل تشمل أيضًا الجوانب التشريعية والثقافية والتعليمية والإعلامية. وهناك حاجة مستمرة إلى تطوير قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية المتلاحقة، إلى جانب فرض عقوبات رادعة على مروجي الشائعات وخطابات الكراهية والمحتوى التحريضي.

 

وفي الوقت نفسه، تظل معركة الوعي هي السلاح الأهم في مواجهة الإرهاب الإلكتروني، خاصة في ظل استهداف الشباب والأجيال الجديدة عبر المنصات الرقمية. ولذلك أصبح من الضروري نشر ثقافة الاستخدام المسؤول للإنترنت، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، حتى لا يقع المواطن فريسة لحملات التضليل المنظمة أو المحتوى المتطرف.

 

كما يتحمل الإعلام الوطني دورًا محوريًا في هذه المواجهة، من خلال تقديم محتوى مهني وموثوق قادر على كشف الأكاذيب ومواجهة الشائعات بالمعلومة الدقيقة والتحليل الموضوعي، لأن غياب الحقيقة يفتح الباب أمام الفوضى الرقمية ومصادر التضليل.

 

ولا شك أن الدولة المصرية قطعت شوطًا كبيرًا في تعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني والتحول الرقمي، من خلال تطوير البنية التكنولوجية ودعم المؤسسات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، إلا أن طبيعة التهديدات الحديثة تفرض حالة دائمة من اليقظة والتطوير المستمر للأدوات والآليات.

 

إن الإرهاب الإلكتروني لم يعد خطرًا افتراضيًا، بل أصبح واقعًا يهدد المجتمعات والدول من داخل الهواتف والشاشات، ويستهدف تشكيل الوعي والتأثير على الاستقرار الوطني. ولذلك فإن بناء فضاء رقمي آمن وواعٍ لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الدولة الوطنية وصون تماسك المجتمع في عصر أصبحت فيه المعارك تدار بالكلمة والصورة والمعلومة بقدر ما تدار بالسلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى