اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب ل شبان ترند..حين يعود الزمن من بوابة المكان

بعض الأماكن لا نغادرها حقا، حتى وإن ابتعدنا عنها بالمسافة والسنوات، تظل ساكنة في الوجدان، حاضرة في الذاكرة، تقيم فينا أكثر مما نقيم فيها، وتبقى مرتبطة بتفاصيل لا يطويها الزمن مهما مر، وما إن نعود إليها، ولو بعد غياب طويل، حتى نشعر أن شيئا عميقا بداخلنا قد استيقظ من جديد.
هكذا كان شعوري وأنا أزور محافظة القليوبية؛ المحافظة التي حملت يوما مسؤولية إدارتها محافظا لها، وعشت بين أهلها أياما ستظل محفورة في الذاكرة ما حييت، لم تكن زيارة عابرة إلى مكان أعرفه، بل كانت عودة إلى فصل مهم من فصول العمر، وإلى مساحة إنسانية ومهنية تركت أثرا كبيرا في وجداني.
وأنا أعبر شوارعها من جديد، لم أر الطرق والمباني فقط، بل رأيت وجوها ومواقف وذكريات مرت أمامي وكأنها حدثت بالأمس، تذكرت أيام العمل الطويلة، واللقاءات الممتدة مع المواطنين، والجولات الميدانية، وتلك اللحظات التي كان فيها القرار الإداري مرتبطا مباشرة بحياة الناس وتطلعاتهم وأحلامهم البسيطة والمشروعة.
استعدت وجوها كثيرة لا تغيب عن الذاكرة.. مسؤولين مخلصين عملوا بضمير، وشبابا حملوا الحلم بمحافظة أكثر تطورا، ومواطنين بسطاء قابلتهم في مواقع العمل والقرى والمراكز والشوارع، وكانوا دائما أصحاب الكلمة الصادقة والرؤية الواضحة والحرص الحقيقي على محافظتهم.
في تلك الزيارة، لم أشعر أنني أزور مكانا سبق أن عملت فيه، بل شعرت كأنني أعود إلى جزء من نفسي تركته هنا منذ سنوات، وما زال ينتظرني.
القليوبية بالنسبة لي لم تكن موقعا إداريا أو منصبا رسميا مررت به ضمن محطات العمل العام، بل كانت تجربة إنسانية ووطنية متكاملة، تعلمت فيها الكثير، واكتشفت فيها معدن الإنسان المصري الأصيل؛ صبره، وبساطته، وقدرته على التمسك بالأمل رغم كل التحديات.
وأعتقد أن من يعمل في الشأن العام لا يرتبط بالمكان فقط عبر الملفات والخطط والمشروعات، وإنما يرتبط به عبر الناس؛ عبر تفاصيل الحياة اليومية التي يشاركهم فيها، عبر لحظات الفرح والقلق والانتظار، وعبر الإيمان المشترك بأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة المواطن واحترام احتياجاته والإنصات إليه.
وخلال زيارتي، كان لافتا بالنسبة لي كيف يحتفظ المكان بروحه رغم تغير الزمن، وكيف تظل بعض التفاصيل كما هي قادرة على استدعاء سنوات كاملة بمجرد المرور بها، شارع واحد قد يعيد إلى الذاكرة عشرات الاجتماعات والمواقف، مبنى قديم قد يفتح بابا واسعا من الحنين، لقاء سريع مع أحد أبناء المحافظة قد يعيد زمنا كاملا بكل ما فيه، حينها أدركت من جديد أن الزمن يمضي فعلا، لكن أثر التجارب الصادقة لا يمضي.
وقد منحتني هذه الزيارة فرصة مهمة للتأمل؛ ليس فقط في ما مضى، ولكن في قيمة ما يبقى بعد مرور السنوات، المناصب بطبيعتها مراحل مؤقتة، والمسؤوليات تتغير، والمواقع تتبدل، لكن ما يبقى دائما هو الأثر الإنساني… ذكرى موقف عادل، أو قرار خفف معاناة، أو مشروع صنع فرقا، أو علاقة احترام ومحبة متبادلة بين المسؤول والناس.
وما أسعدني بحق خلال هذه الزيارة ذلك القدر الكبير من الود الذي لمسته من أبناء القليوبية، والذي أكد لي أن العلاقة الحقيقية بين الإنسان والمكان لا تنتهي بانتهاء المنصب، بل تبقى ممتدة بحجم ما زرع فيها من إخلاص وصدق ومحبة.
خرجت من القليوبية وأنا أحمل شعورا عميقا بالامتنان… امتنانا لكل لحظة عشتها فيها، ولكل تجربة صنعت جزءا من تكويني، ولكل إنسان جمعني به الطريق خلال تلك المرحلة المهمة من حياتي العملية والإنسانية.
أحيانا نعود إلى الأماكن فنكتشف أننا لم نعد إليها فقط… بل عدنا، ولو قليلا، إلى نسخ قديمة من أنفسنا كنا نظن أنها ابتعدت، نستعيد معها مشاعر، ومواقف، وأحلاما، وأصواتا، ونكتشف أن بعض الأماكن لا تحفظ الذكريات فحسب، بل تحفظ أجزاء منا تركناها فيها دون أن نشعر.
وهكذا كانت عودتي إلى القليوبية… زيارة لمكان أعرفه جيدا، لكنها في الحقيقة كانت زيارة إلى ذاكرة كاملة، وإلى زمن جميل، وإلى تجربة ستظل دائما محل تقدير واعتزاز في القلب والوجدان.
حين يعود الزمن من بوابة المكان
اللواء الدكتور رضا فرحا
محافظ القليوبية الأسبق
أستاذ العلوم السياسية