حين تحرس الدولة وعيها

بقلم: محمد ناجي زاهي
لم تعد الحرب على الأوطان تبدأ من الحدود فقط، ولم تعد أدواتها تقتصر على السلاح والمدافع، هناك حرب أخرى أشد خفاءً وأكثر خطرًا، تُدار من خلف الشاشات، وتتحرك في الظلام عبر حسابات مجهولة وصفحات مشبوهة، لا تحمل همّ الحقيقة، بل تسعى إلى تسميم الوعي، وزراعة الشك، وتحويل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة مفتوحة للفتنة وتزييف الحقائق.
ومن هنا يأتي قرار حجب حسابات الفتنة كخطوة مهمة في معركة حماية الدولة المصرية من أخطر أدوات الحرب الرقمية، فهذه الحسابات لم تكن مجرد آراء عابرة أو أصوات مختلفة، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى منصات للتحريض، وصناعة الشائعات، وتشويه الوقائع، ومحاولة كسر الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.
إن تطهير الفضاء الإلكتروني ليس قيدًا على الكلمة، بل حماية لها من الابتذال والتزوير، فالحرية لا تعني أن يتحول الكذب إلى حق، ولا أن يصبح التحريض رأيًا، ولا أن تختبئ الفتنة خلف ستار التعبير، فهناك فارق واضح بين النقد الوطني الذي يريد الإصلاح، وبين خطاب مسموم يريد الهدم، وبين من يختلف بشرف، ومن يطعن الوطن من خلف اسم مستعار.
لقد أصبحت المعركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة معلومات، فالشائعة قد تهدم ثقة، والكلمة المضللة قد تصنع خوفًا، والمنشور الكاذب قد يشعل نارًا في مجتمع كامل … لذلك، فإن مواجهة هذه الحسابات ليست إجراءً تقنيًا فقط، بل دفاع عن أمن الناس، وحقهم في معرفة الحقيقة دون تشويه أو تضليل.
والدولة التي تحرس أرضها من الاختراق، من حقها أن تحرس فضاءها الرقمي من العبث، فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضًا بعقل يقظ، وإعلام مسؤول، ومواطن لا يشارك الشائعة قبل أن يسأل، ولا يمنح الكذب فرصة أن يرتدي ثوب الحقيقة.
إن قرار حجب حسابات الفتنة يبعث برسالة واضحة: أن الفضاء الإلكتروني ليس خارج القانون، وأن من يعبث بوعي الناس لن يظل آمنًا خلف شاشة، وأن حماية المجتمع من التزييف أصبحت جزءًا أصيلًا من حماية الدولة نفسها.
وستظل مصر أكبر من ضجيج الحسابات المأجورة، وأقوى من حملات التشويه، وأعمق من محاولات صناعة الفوضى، فحين تحرس الدولة وعيها، فإنها لا تدافع عن الحاضر فقط، بل تصون مستقبل وطن كامل من أن يُسرق بالكذب، أو يُشوَّه بالفتنة، أو يُختطف من خلف شاشة.