مقالات

السيسي ومحمد بن زايد .. رسائل الأخوة والاستقرار

اللواء د. رضا فرحات
أستاذ العلوم السياسية
محافظ القليوبية الأسبق

جاءت الزيارة الأخوية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ولقاؤه بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، لتؤكد من جديد أن العلاقات المصرية الإماراتية تجاوزت منذ سنوات طويلة إطار العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتصبح نموذجا عربيا فريدا يقوم على وحدة المصير، والتفاهم الاستراتيجي، والرؤية المشتركة تجاه قضايا الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة العربية.

ورغم أن الزيارة استغرقت عدة ساعات فقط، فإن دلالاتها السياسية والإنسانية والاستراتيجية كانت عميقة ومهمة، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات متسارعة وتحولات إقليمية معقدة، تتطلب أعلى درجات التنسيق والتفاهم بين الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها مصر والإمارات.

تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الزيارة بأن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، لم يكن مجرد تعبير دبلوماسي أو مجاملة سياسية، وإنما رسالة واضحة وحاسمة تعكس طبيعة العلاقة الخاصة بين البلدين، وتؤكد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن القاهرة تقف دائما إلى جانب أشقائها في دولة الإمارات في مواجهة أي تهديدات أو تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

هذا الموقف المصري الثابت ليس جديدا، بل يعبر عن نهج استراتيجي راسخ في السياسة المصرية يقوم على دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على وحدة مؤسساتها الوطنية، انطلاقا من إدراك عميق بأن استقرار المنطقة العربية كل لا يتجزأ، وأن أي محاولة للمساس بأمن دولة عربية تنعكس آثارها على الجميع.

اللافت في هذه الزيارة أيضا لم يكن فقط ما شهدته من مباحثات أخوية تعكس قوة العلاقات الثنائية، بل كذلك المشاهد التي حرصت القيادة السياسية على إرسالها إلى الرأي العام العربي والدولي، وفي مقدمتها تجول الرئيس السيسي بصورة طبيعية داخل مراكز التسوق والمولات في أبوظبي بين المواطنين والزائرين، في رسالة بالغة الأهمية تؤكد أن دولة الإمارات تنعم بحالة كاملة من الأمن والاستقرار والطمأنينة، وهذه الصورة السياسية الهادئة تحمل في مضمونها رسائل تتجاوز الكلمات، إذ تعكس الثقة الكاملة في استقرار الأوضاع داخل الإمارات، وتؤكد نجاح النموذج الإماراتي في تحقيق الأمن بالتوازي مع التنمية والانفتاح الاقتصادي والحضاري، وهو ما جعل الإمارات واحدة من أهم التجارب التنموية الناجحة في المنطقة والعالم.

إن ظهور الرئيس السيسي وسط المواطنين داخل الأماكن العامة يحمل أيضا بعدا رمزيا مهما، لأن رئيس الدولة المصرية بما يمثله من ثقل سياسي وإقليمي لا يمكن أن يوجه مثل هذه الرسائل إلا انطلاقًا من قناعة كاملة بحالة الاستقرار والأمان التي تعيشها دولة الإمارات.

وفي تقديري، فإن الزيارة تعكس كذلك حجم التفاهم الشخصي والسياسي الكبير بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد، وهو تفاهم لعب دورا محوريا خلال السنوات الماضية في دعم استقرار المنطقة العربية، ومواجهة محاولات نشر الفوضى، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على التنمية والاستقرار واحترام مؤسسات الدولة.

لقد نجحت القاهرة وأبوظبي في بناء نموذج للتعاون العربي الواقعي القائم على المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، بعيدا عن الشعارات أو الحسابات الضيقة، وهو ما انعكس على مواقف البلدين تجاه مختلف القضايا الإقليمية، سواء فيما يتعلق بدعم الاستقرار، أو تعزيز فرص التنمية، أو مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها المنطقة كما تؤكد هذه الزيارة أن العلاقات المصرية الإماراتية أصبحت تمثل أحد أهم أعمدة التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط، خاصة في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها بعض مناطق الإقليم، وهو ما يمنح التحالف المصري الإماراتي أهمية استثنائية باعتباره شراكة استراتيجية تسهم في حماية الأمن العربي وصيانة مقدرات الشعوب العربية.

وفي النهاية، يمكن القول إن زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات، رغم قصر مدتها، كانت حافلة بالرسائل السياسية والإنسانية المهمة، ورسخت حقيقة واضحة مفادها أن العلاقات بين مصر والإمارات ليست مجرد علاقات بين دولتين، وإنما هي علاقة أخوة ومصير مشترك وشراكة استراتيجية راسخة، قادرة على مواجهة التحديات وصناعة الاستقرار ودعم مستقبل المنطقة العربية بأكملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى