“مراكب الموت” أم “مراكب النجاة”؟ القليوبية بين حلم أوروبا وكابوس المتوسط

بقلم – نجوى العشيري
سؤال أصبح يطرح نفسه بقوة على كل شاب في قرى القليوبية وهو يرى جاره يعود من إيطاليا بملابس جديدة، أو يسمع عن قارب غرق قبالة سواحل مطروح وراح ضحيته 12 شاباً مصرياً كانت أعمارهم بين 16 و28 عاماً في مايو 2024 (قناة العربية، 2024). بين الحلم والكابوس، تقف محافظة القليوبية نموذجاً لمحافظات مصر التي تدفع فاتورة الهجرة غير الشرعية من دماء أبنائها.
الهجرة غير الشرعية لم تعد مجرد سفر بلا أوراق، بل صفقة مع الموت تبدأ بدفع نص مليون جنيه لسماسرة التهريب وتنتهي غالباً بجثة متحللة على شاطئ أو سنوات في سجن أجنبي. مصر تواجه الأزمة من كل الجهات لأنها دولة مصدر ومعبر ومقصد في نفس الوقت، لكن السؤال الأهم: لماذا يخاطر شاب من طوخ أو شبين القناطر بحياته؟
السبب الأول دائماً اقتصادي. البطالة وقلة الأراضي الزراعية في قرى القليوبية مع الكثافة السكانية الخانقة تجعل الشاب يرى أن “المركب” أسرع من الوظيفة. يضاف لذلك ضغط المجتمع وثقافة “اشمعنى فلان سافر”، وقصص السوشيال ميديا المزيفة عن الحياة في أوروبا. القرب من القاهرة يرفع سقف الأحلام، وعندما يصطدم الشاب بالواقع يصبح البحر هو الحل.
لكن الدولة قررت ألا تترك البحر هو الخيار الوحيد. مصر كانت أول دولة عربية تصدر قانوناً لمكافحة تهريب المهاجرين، وأنشأت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية. أما الحل الحقيقي فجاء باسم “مراكب النجاة”، المبادرة الرئاسية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي لتكون البديل الآمن. المبادرة لا تبيع كلاماً، بل تقدم تدريب مهني ومشروعات صغيرة وقوافل طبية. ومن 4 يوليو 2024 وحتى نهاية 2025 استفاد منها 10,524 شاب وفتاة في 15 محافظة عبر 475 جلسة تدريبية (وزارة الخارجية المصرية، 2026).
المعركة لا تُخاض في القليوبية وحدها. وزارة الشباب تنزل مراكز الشباب في الدقهلية والغربية وكفر الشيخ وأسوان توعي الناس (وزارة الشباب والرياضة المصرية، 2026)، وقصور الثقافة تعقد ندوات في طنطا تشرح الكارثة بالقانون وعلم النفس (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2026). حتى على المستوى الدولي، مصر تستقبل وزيرة الهجرة الهولندية لتنسيق المواجهة (وزارة الداخلية المصرية، 2025).
التحديات صعبة. صعب تقنع شاب أن راتب 4000 جنيه أفضل من وهم “اليورو”، وصعب تغير ثقافة ترسخت لسنين أن “السفر = النجاح”. شبكات التهريب تتطور كل يوم، والسوشيال ميديا تلمّع الكذب وتخفي الموت.
لكن الحل في القليوبية نفسها. المنطقة الصناعية في العبور، والأراضي الزراعية في طوخ، وجامعة بنها، كلها “مراكب نجاة” حقيقية لو اشتغلت صح. التنمية هي اللي هتخلي الشاب يختار بلده قبل المركب. الدولة بدأت الطريق بأكثر من 10 آلاف شاب تم إنقاذهم من الوهم، والدور على الإعلام والمجتمع المدني عشان الرقم يبقى ملايين، وساعتها بس “مراكب النجاة” هتهزم “مراكب الموت”.