«الوطن.. حين انتفض المصريون دفاعاً عن هويتهم»

بقلم .. نجوى العشيري
كثيراً ما نردد كلمة “وطن” في الأغاني، ونكتبها في السطور، لكن هل سألنا أنفسنا يوماً عن جوهرها الحقيقي؟ الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية نولد فيها، ولا مجرد حدود مرسومة على الخريطة، أو جواز سفر نحمله. الوطن في حقيقته هو “الهوية”؛ هو تلك الرائحة المألوفة في شوارعنا، هو صوت الأذان ممتزجاً بأجراس الكنائس، هو الضحكة المصرية النابعة من القلب، وهو التاريخ الممتد في عروقنا وعاداتنا وتقاليدنا التي تشكل ملامح شخصيتنا. الوطن باختصار هو المكان الذي إذا غبنا عنه اغتربنا، وإذا هُددت هويته استنفرنا جميعاً لإنقاذه.
وفي تاريخ الأمم، تولد لحظات فارقة تُمثل الاختبار الحقيقي لهذا المفهوم، ولم يكن يوم الثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣ مجرد حدث سياسي أو تظاهرة عابرة في تاريخ مصر، بل كان زلزالاً شعبياً تحركت فيه ملايين القلوب مدفوعة بخوف حقيقي ومشروع على روح هذا البلد. ففي ذلك الوقت، شعر المصريون بتهديد يمس ثقافتهم واجتماعهم، وأدركوا أن هناك محاولة جادة لصبغ هذا الوطن بلون واحد غريب لا يشبه سماحته وتعدديته المعتادة، وحينها استوعب الجميع أن الخطر لا يهدد فقط لقمة العيش، بل يهدد الوطن في معناه الأعمق: هويته الوسطية، وفنونه، وتاريخه الممتد لآلاف السنين.
هذا الخوف تحول في لحظة إلى ملحمة من الاستنفار الشعبي الذي يجسد عظمة “الچين المصري” في أوقات الأزمات؛ فتلاشت الفروق والطبقات بين غني وفقير، ومسلم ومسيحي، وشاب وشيخ، ونزل الجميع إلى الميادين يد واحدة يحملون علماً واحداً. وتحولت الشوارع إلى ساحات تعج بالفن والشعر والأغاني الوطنية، حيث استخدم المصريون إبداعهم كسلاح فطري في مواجهة أي فكر يحاول كبت الحريات أو طمس الحضارة، بينما كانت المرأة المصرية في طليعة الصفوف، تقود المسيرات وتحفز عائلتها لشعورها الفطري بأن الحفاظ على هوية الوطن هو الضمان الوحيد لمستقبل أبنائها.
إن الدرس الأكبر الذي تركه لنا هذا اليوم هو أن حماية الهوية مسؤولية مستمرة لا تنتهي بانتهاء الحدث، فالاستنفار الذي بدأ في الميادين يجب أن يعيش اليوم في عقولنا، وفي بيوتنا، ومدارسنا، من خلال الاعتزاز بثقافتنا وترسيخ قيم قبول الآخر، والعمل المستمر لبناء وطن قوي لا يملك أحد القدرة على تهديد مستقبله.
الوطن في النهاية هو ذلك الأمن الذي شعرنا بقيمته الغالية عندما كاد يضيع، وهو الهوية التي انتفضنا من أجلها، لتثبت مصر للعالم أجمع أن جسدها قد يمرض ولكنه أبداً لا يموت، وأن روحها عصية على الاختطاف، لتبقى دائماً كما كانت.. وطناً ينبض بالحياة، وهوية محفورة في وجدان التاريخ.