مقالات

اللواء د. رضا فرحات يكتب ..30 يونيو.. معركة الوعي التي لم تنته

30 يونيو.. معركة الوعي التي لم تنته

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
أستاذ العلوم السياسية

بعد ثلاثة عشر عاما من ثورة 30 يونيو، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس ماذا حدث في ذلك اليوم، وإنما: هل انتهت المعركة التي خرج من أجلها ملايين المصريين؟

في تقديري، الإجابة هي لا، الكثيرون ينظرون إلى 30 يونيو باعتبارها حدثا سياسيا انتهى بإسقاط حكم جماعة الإخوان واستعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما جرى كان بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، الدول لا تواجه التهديدات نفسها إلى الأبد، بل تتغير الأدوات وتبقى الأهداف.

أتذكر جيدا حالة القلق التي كانت تسيطر على قطاعات واسعة من المصريين قبل الثورة، لم يكن الخوف مرتبطا بأزمة اقتصادية أو خلاف سياسي، بل بشعور حقيقي بأن الدولة المصرية بكل ما تمثله من تاريخ وهوية ومؤسسات أصبحت تواجه اختبارا صعبا لذلك لم يكن خروج الملايين إلى الشوارع تعبيرا عن رفض حكومة بعينها، بقدر ما كان تعبيرا عن تمسك شعب بدولته الوطنية ورفضه الدخول في مسارات مجهولة.

نجحت الدولة بعد ذلك في استعادة الاستقرار ومواجهة الإرهاب الذي حاول استغلال حالة التحول السياسي، وقدمت القوات المسلحة والشرطة تضحيات كبيرة في مواجهة التنظيمات المتطرفة التي سعت إلى نشر الفوضى وإرباك الدولة، ومع مرور الوقت، تمكنت مصر من تحقيق نجاحات واضحة في هذا الملف، حتى تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير مقارنة بما شهدته البلاد في السنوات التي أعقبت الثورة.

لكن الخطأ الذي قد يقع فيه البعض هو الاعتقاد بأن انتهاء الإرهاب المسلح يعني انتهاء الخطر بالكامل، والحقيقة أن طبيعة التهديدات تغيرت، بدلا من العبوات الناسفة والعمليات الإرهابية، ظهرت أدوات أخرى أكثر هدوءا وأحيانا أكثر تأثيرا، منصات إلكترونية تبث الشائعات، وصفحات مجهولة المصدر تروج للمعلومات المضللة، ومحاولات مستمرة لبث الإحباط والتشكيك في كل خطوة أو إنجاز، وهنا انتقلت المواجهة من الميدان إلى فضاء الوعي.

ومن هذا المنطلق أرى أن أحد أهم مكاسب 30 يونيو لم يكن فقط الحفاظ على الدولة، بل إعادة ترسيخ مفهوم الوعي الوطني لدى قطاعات واسعة من المواطنين، التجربة علمت المصريين أن الدولة يمكن أن تتعرض للاستهداف بوسائل متعددة، وأن الحفاظ عليها لا يقتصر على دور المؤسسات الأمنية وحدها، بل يتطلب مواطنا واعيا قادرا على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد الموضوعي ومحاولات الهدم المتعمد.

ولا يعني ذلك أن الدولة أصبحت بلا تحديات، فالتحديات الاقتصادية التي فرضتها الظروف الإقليمية والدولية ما زالت قائمة، كما أن المواطن يتطلع دائما إلى تحسين مستوى معيشته وجودة الخدمات التي يحصل عليها، لكن الفارق الجوهري أن هذه التحديات تناقش اليوم داخل إطار دولة مستقرة تمتلك مؤسسات قادرة على التعامل معها، وليس في ظل حالة من الارتباك أو الصراع على هوية الدولة ومستقبلها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحفاظ على الدولة الوطنية أصبح قضية مصيرية في منطقة شهدت نماذج عديدة لدول انهارت مؤسساتها أو دخلت في دوائر ممتدة من الصراعات ومن هنا تكتسب تجربة 30 يونيو أهميتها، ليس باعتبارها ذكرى سياسية فحسب، وإنما باعتبارها درسا في قدرة الشعوب على تصحيح المسار عندما تشعر أن مصالحها العليا أصبحت على المحك.

ولهذا أرى أن الاحتفال الحقيقي بذكرى 30 يونيو لا يكون فقط باستدعاء صور الحشود التي ملأت الميادين، وإنما باستكمال ما بدأه المصريون في ذلك اليوم، معركة بناء الدولة لا تقل أهمية عن معركة استعادتها، ومعركة الوعي لا تقل خطورة عن مواجهة الإرهاب.

لقد نجح المصريون في حماية دولتهم عندما واجهت خطر السقوط، ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الإنجاز و تعزيزه، الأوطان لا تبنى في يوم واحد، ولا تحمي بقرار واحد، وإنما بإرادة مستمرة ووعي متجدد وإيمان راسخ بأن مستقبل مصر يستحق دائما المزيد من العمل والتكاتف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى