بين مطرقة الإرهاب وسندان التنمية: كيف أدارت مصر معركتها المصيرية للبناء والبقاء؟
طارق المالح يكتب لشبان ترند كيف أدارت مصر معركتها المصيرية للبناء والبقاء

كتب طارق المالح

شهدت مصر خلال العقد الأخير تجربة استثنائية في تعاملها مع معضلة وجودية حادة؛ إذ وجدت الدولة نفسها أمام اختبار ثنائي الصعوبة: حماية حدودها وأمنها الداخلي من تنظيمات إرهابية متطرفة، بالتوازي مع إعادة هيكلة اقتصاد متهالك وبنية تحتية متداعية. لم تكن هذه المعادلة يسيرة، بل كانت خيارًا استراتيجيًا حرجًا بين كفة تخصيص الموارد لدحر الإرهاب، وكفة توجيهها للبناء، لتختار القاهرة خوض المعركتين بالتوازي وفي آنٍ واحد.
نجحت الدولة المصرية في الجمع بين دحر الإرهاب وإطلاق أكبر حركة تعمير وتنمية في تاريخها الحديث. وارتكزت هذه المقاربة على مواجهة أمنية شاملة لاستعادة الاستقرار، حيث خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معارك ضارية—لا سيما في شمال سيناء والمناطق الحدودية—لاستئصال شأفة الجماعات المتطرفة.
ولم تقتصر المواجهة على الجانب الميداني، بل امتدت لتشمل:
تجفيف منابع التمويل: إغلاق منافذ التهريب وملاحقة الشبكات المالية للتنظيمات الإرهابية.
الاستراتيجية الأمنية المتكاملة: إطلاق العمليات الشاملة لضمان فرض السيطرة الكاملة.
المواجهة الفكرية: تعزيز دور المؤسسات الدينية لنقض الشبهات المتطرفة ونشر الفكر الوسطي المعتدل.
ولأن القيادة السياسية أدركت أنه لا استقرار بدون تنمية، ولا تنمية تستمر دون أمن مستدام—وأن الفقر والفراغ الفكري يمثلان البيئة الخصبة للتطرف—فقد اتُّخذت التنمية كأداة رئيسية لإقتلاع الإرهاب من جذوره.
أبرز ملامح المواجهة التنموية:
تنمية شبه جزيرة سيناء: تحويلها من بؤرة استهداف أمني إلى مركز جذب اقتصادي، وربطها بالدلتا عبر شبكة أنفاق استراتيجية أنهت عزلتها التاريخية ودمجتها نهائيًا بالعمق المصري.
البنية التحتية والمشاريع القومية: إقامة المناطق الصناعية والمجتمعات العمرانية الجديدة، وتشييد شبكات طرق وموانئ حديثة لإنعاش الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية.
المبادرات الاجتماعية: إطلاق مشاريع كبرى مثل مبادرة “حياة كريمة” لرفع مستوى المعيشة في الريف والمناطق الأكثر احتياجًا، سدًا لأي ثغرة قد تستغلها قوى الإرهاب.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن التنمية هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي؛ فلا أمن بلا تنمية تخلق الفرص وتحقق العدالة الاجتماعية، ولا تنمية يمكن أن تزدهر في غياب الاستقرار الأمني.
وقد نجحت مصر في تجاوز المرحلة الحرجة بعبور جسر الأزمة الأمنية، للانتقال إلى مرحلة تثبيت أركان الدولة واستكمال النهضة التنموية. ويبقى التحدي الأكبر هو استدامة النمو الاقتصادي، ومواجهة المتغيرات الاقتصادية العالمية بالروح العالية ذاتها التي دُحر بها الإرهاب.