حرية التعبير واستنزاف الوعي

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
أستاذ العلوم السياسية
لم يعد خافيا على أحد أن الثورة الرقمية قد أعادت تشكيل ملامح التفاعل البشري، ورسمت خريطة جديدة للعلاقات الاجتماعية والسياسية في القرن الحادي والعشرين و ظهرت منصات التواصل الاجتماعي “السوشيال ميديا” في بداياتها كشمس ساطعة في سماء الحريات، وصفت بأنها المنبر الديمقراطي الجديد الذي يكسر احتكار المعلومات، ويمنح الصوت لمن لا صوت له، ولكن، بعد مرور أكثر من عقدين على هذا التحول الجذري، بات لزاما علينا أن نطرح سؤالا جوهريا ومقلقا في آن واحد: هل تحولت هذه المنصات من فضاء رحب للتعبير الحر إلى آلة متطورة لاستنزاف الطاقات البشرية، والوعي الجمعي، والاستقرار المجتمعي؟
لا يمكن إنكار الدور التاريخي الذي لعبته السوشيال ميديا في تمكين الأفراد والمجتمعات حيث ساهمت هذه المنصات في كسر حاجز الخوف، ووفرت مساحة للنقاش العام، وسرعت من وتيرة الحشد للقضايا العادلة و كانت أداة فعالة في يد المواطن و تحول المتلقي السلبي إلى مشارك إيجابي في صناعة الرأي العام غير أن هذه المكاسب الأولية بدأت تتلاشى تدريجيا تحت وطأة التحول التجاري والخوارزمي الجشع لهذه المنصات.
إن التحول الجذري في طبيعة هذه الشبكات يكمن في تحول “المستخدم” من مواطن حر يمتلك إرادته، إلى “سلعة” تباع بياناته واهتماماته لأعلى مزايد إعلاني، هنا تكمن خطورة “اقتصاد الانتباه” الذي تبنيه خوارزميات هذه المواقع فالهدف لم يعد تعزيز الحوار أو إثراء المحتوى المعرفي، بل تعظيم وقت المكوث على الشاشة بأي ثمن ويتم ذلك عبر تفعيل محفزات نفسية عميقة، مثل الاستقطاب، والإثارة، ونشر الأخبار الكاذبة أو المضللة، التي تثير الغضب والخوف، وهما العاطفتان الأكثر قدرة على ضمان التفاعل والمشاركة السريعة.
هذا الاستنزاف لا يقتصر على الوقت فحسب، بل يمتد ليطال الصحة النفسية للأفراد، حيث تنتشر ظواهر مثل إدمان التصفح، ومتلازمة الخوف من فقدان الأحداث، والشعور المستمر بالعزلة والاكتئاب نتيجة المقارنة الاجتماعية غير الواقعية وبذلك، يتحول الفضاء الرقمي من مساحة للإثراء إلى بئر عميق لاستنزاف الطاقة الذهنية والعاطفية للمواطن، ويخلق هذا الاستنزاف بيئة خصبة للتشظي الاجتماعي فبدلا من أن تكون السوشيال ميديا جسرا للتواصل، أصبحت “غرف صدى” تعزز الانحياز التأكيدي، حيث لا يسمع الفرد إلا ما يتوافق مع قناعاته المسبقة، مما يقتل روح النقد البناء والحوار الموضوعي،و هذا الانقسام يهدد النسيج الاجتماعي، ويجعل عملية إدارة الشأن العام أكثر تعقيدا حيث تتحول القضايا الوطنية إلى ساحات معارك افتراضية عقيمة، تستنزف فيها جهود المؤسسات والمواطنين على حد سواء، دون الوصول إلى حلول حقيقية أو توافقات مجتمعية.
إن الخروج من هذا المأزق لا يعني الدعوة إلى هجر هذه المنصات تماما، فالعزلة الرقمية في عالمنا المعاصر ليست حلا واقعيا ولا مرغوبا ، والحل يكمن في الانتقال من مرحلة “الاستهلاك السلبي” إلى مرحلة “المواطنة الرقمية الواعية” وهذا يتطلب جهدا ثلاثي الأبعاد:
أولا: على مستوى الفرد، بضرورة تطوير النقد الذاتي الرقمي، وضبط أوقات الاستخدام، والتحقق من المصادر قبل المشاركة في نشر أي محتوى.
ثانيا: على مستوى المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، من خلال دمج “محو الأمية الرقمية” في المناهج، وتوعية الأجيال الجديدة بآليات عمل الخوارزميات وكيفية حماية خصوصيتهم وبياناتهم.
ثالثا: على مستوى صناع السياسات والتشريعات، بضرورة وضع أطر تنظيمية عادلة تلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بالشفافية في استخدام البيانات، ومكافحة خطاب الكراهية والأخبار المضللة، دون المساس بحق التعبير المشروع والمكفول.
إن السوشيال ميديا، كأية أداة تكنولوجية، هي مرآة تعكس نوايا مستخدميها وهياكل القوى التي تديرها، و حان الوقت لكي ندرك أن الحرية الحقيقية في الفضاء الرقمي لا تقاس بكمية ما ننشره، بل بقدرتنا على الحفاظ على استقلاليتنا الفكرية، وصحتنا النفسية، وتماسكنا المجتمعي في وجه آلات الاستنزاف الخوارزمية، الوعي هو الحصن الأخير، وهو البوصلة التي ترشدنا لنجعل من هذا الفضاء مساحة حقيقية للتنوير والتعبير، لا ساحة للضياع والاستهلاك.