صناعة المستقبل

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
المستقبل لا يأتي وحده، ولا يصل إلى الدول في موعد محدد يمكن انتظاره، وإنما تصنعه الدول التي تعرف ماذا تريد، وتملك القدرة على تحويل طموحاتها إلى سياسات، وأفكارها إلى مشروعات، وأحلام أبنائها إلى واقع ولهذا فإن الحديث عن المستقبل في مصر لم يعد حديثا عن زمن بعيد، وإنما أصبح مرتبطا بما نفعله اليوم، وبالاختيارات التي نضعها أمام الأجيال الجديدة، وفي قلب هذه المعادلة يأتي الشباب، ليس باعتبارهم مجرد رقم في التركيبة السكانية، وإنما باعتبارهم قوة حقيقية تمتلك القدرة على التعلم والعمل والابتكار وتحمل المسؤولية، وكل دولة تنظر إلى شبابها بهذه الطريقة تكون قد وضعت يدها على أحد أهم مفاتيح التقدم، لأن الإنسان في النهاية هو الذي يمنح المشروعات قيمتها، ويحول الإمكانات إلى نتائج.
التوجيه الرئاسي بشأن تعزيز دور الشباب، وإنشاء منصة وطنية تفاعلية تفتح أمامهم مساحة لطرح الأفكار والمبادرات والمشاركة في العمل العام، مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة هذه المنصة يحمل أهمية كبيرة والمعنى الأهم وراء هذه الخطوة ليس إنشاء أداة رقمية جديدة، وإنما توسيع مساحة المشاركة، وخلق قناة أكثر مباشرة بين أفكار الشباب والمؤسسات المعنية بتحويل هذه الأفكار إلى واقع.
الشاب الذي يمتلك فكرة لمشروع أو مبادرة لا يحتاج فقط إلى التشجيع، وإنما يحتاج إلى طريق واضح، يريد أن يعرف إلى من يتوجه، وكيف يعرض فكرته، ومن يستطيع مساعدته على تطويرها، وما إذا كانت قابلة للتنفيذ، وإذا نجحت المنصة في توفير هذا المسار، فإنها ستكون قد قامت بدور يتجاوز استقبال المقترحات إلى صناعة الفرص.
إن صناعة المستقبل تبدأ من احترام الفكرة، وقد تكون الفكرة بسيطة، وربما تبدأ من مشكلة صغيرة في قرية أو حي أو جامعة، لكنها في بعض الأحيان تحمل حلا لمشكلة أكبر ولهذا فإن الدولة التي تريد أن تستفيد من طاقات شبابها عليها أن تترك الباب مفتوحا أمام الأفكار، وأن توفر لها آليات التقييم والتطوير، وأن تمنح المبادرات الجادة فرصة للانتقال من الورق إلى الميدان.
التنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، مهما كانت قدرتها على التخطيط والتنفيذ، المجتمع شريك أساسي، والشباب هم الأقدر على تحويل روح المشاركة إلى عمل على الأرض، المبادرة التطوعية تعلم الشاب أن المسؤولية ليست كلمة، وأن خدمة المجتمع لا تحتاج دائما إلى إمكانات ضخمة، وإنما تحتاج إلى إرادة وتنظيم وإيمان بأن التغيير يبدأ أحيانا بخطوة صغيرة، وعندما يشارك مجموعة من الشباب في تطوير مدرسة، أو تنظيم حملة للحفاظ على البيئة، أو مساعدة الأسر الأكثر احتياجا، أو دعم مبادرة تعليمية، فإنهم لا يقدمون خدمة للمجتمع فقط، وإنما يبنون أنفسهم أيضا، يتعلمون الإدارة، والعمل الجماعي، والانضباط، والتواصل، وحل المشكلات، وهذه كلها خبرات تشكل شخصية المواطن وتؤهله مستقبلا لتحمل مسؤوليات أكبر.
لذلك يمكن للمنصة الوطنية أن تصبح مساحة مهمة لإحياء ثقافة التطوع، من خلال التعريف بالمبادرات الشبابية، وربط أصحاب المبادرات بالمؤسسات، وتوفير التدريب، وإتاحة فرص المشاركة، وإبراز النماذج الناجحة حتى تتحول التجارب الفردية إلى حالة مجتمعية أوسع، وهناك جانب آخر بالغ الأهمية، هو اكتشاف الكفاءات، فصناعة المستقبل لا تحتاج فقط إلى مشروعات، وإنما تحتاج إلى أشخاص قادرين على قيادة هذه المشروعات، وقد تكون أفضل طريقة لاكتشاف القائد هي أن نراه وهو يعمل، ويتحمل المسؤولية، ويقود فريقا، ويواجه مشكلة ويبحث عن حل لها، ومن هنا فإن الاستثمار في الشباب لا يجب أن يتوقف عند التدريب أو التأهيل، بل يجب أن يمتد إلى منحهم فرصا حقيقية للممارسة والمشاركة، فالخبرة لا تأتي كلها من قاعات المحاضرات، وإنما يأتي جزء كبير منها من الميدان.
وفي تقديري، فإن المنصة الوطنية يمكن أن تصبح واحدة من الأدوات المهمة لبناء هذه الحلقة المتكاملة: فكرة، ثم مبادرة، ثم تدريب، ثم مشاركة، ثم تجربة، ثم تقييم، ثم فرصة للتوسع، وإذا اكتملت هذه الدورة، فإننا لا نكون أمام منصة لاستقبال الأفكار فقط، وإنما أمام منظومة لاكتشاف الطاقات وتحويلها إلى قوة إنتاج وتنمية، المهم أيضا أن يشعر الشباب بأن مشاركتهم لها قيمة، فالثقة لا تبنى بالشعارات، وإنما بالنتائج، عندما يرى الشاب أن فكرته وصلت إلى الجهة المختصة، وأن هناك من يناقشها معه، وأن مبادرته حصلت على فرصة للتطوير، فإنه يصبح أكثر استعدادا للمشاركة مرة أخرى، ويصبح أكثر ثقة في أن صوته يمكن أن يتحول إلى أثر.
وهذا هو المعنى الحقيقي للمشاركة الوطنية: أن يشعر المواطن بأنه ليس متفرجا على ما يجري حوله، وإنما جزء منه.
إن مصر وهي تتحرك نحو المستقبل تحتاج إلى كل طاقاتها، ولا يمكن أن تترك قوة الشباب خارج معادلة التنمية، المطلوب ليس فقط أن نقول إن الشباب هم المستقبل، وإنما أن نمنحهم الأدوات التي تجعلهم قادرين على صناعة هذا المستقبل، المستقبل في النهاية ليس عاما جديدا على التقويم، ولا رقما نصل إليه بعد سنوات، المستقبل هو ما نضعه اليوم من قرارات، وما نبنيه من مؤسسات، وما نزرعه في عقول أبنائنا، وما نمنحه لهم من ثقة وفرص.
ولهذا فإن صناعة المستقبل تبدأ من الإنسان، وتستمر بالفكرة، وتكبر بالمبادرة، وتتحول إلى واقع بالعمل، وحين يجد الشباب الطريق إلى المشاركة، ويجدون في الدولة شريكا يستمع إلى أفكارهم ويفتح أمامهم المجال للعمل، فإن طاقة الشباب لا تبقى مجرد طاقة كامنة، وإنما تتحول إلى قوة وطنية قادرة على صناعة فارق حقيقي.
وهنا يصبح المستقبل شيئا نصنعه، لا شيئا ننتظره.