مقالات

بناء الإنسان.. الأساس الحقيقي للتنمية المستدامة

17

بقلم: اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق

عندما نتحدث عن التنمية، يتجه التفكير غالبا إلى الطرق الجديدة، والمصانع، والكباري، والمشروعات الكبرى وكلها بلا شك عناصر مهمة لأي دولة تسعى إلى التقدم لكن يبقى هناك سؤال أكثر أهمية: من الذي سيدير هذه المشروعات ويحافظ عليها ويطورها بعد سنوات؟ الإجابة ببساطة هي الإنسان.

لهذا أرى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، الدول التي حققت نهضتها لم تكن بالضرورة الأغنى في الموارد، لكنها كانت الأقدر على إعداد مواطنيها بالعلم والمهارة والانضباط، الإنسان المؤهل يستطيع أن يصنع فرصا من إمكانات محدودة، بينما قد تضيع أفضل الموارد إذا غاب العنصر البشري القادر على إدارتها بكفاءة.

إن بناء الإنسان ليس مسؤولية التعليم وحده، ولا الصحة وحدها، ولا الأسرة وحدها إنه عملية متكاملة تشترك فيها كل مؤسسات المجتمع يبدأ من طفل يحصل على تعليم جيد، وشاب يجد فرصة للتدريب واكتساب المهارات، ومواطن يشعر أن القانون يطبق على الجميع، وأن الاجتهاد يفتح أمامه أبواب التقدم.

وأعتقد أن أكبر تحد نواجهه اليوم ليس نقص الإمكانات، وإنما سرعة التغير في العالم، التكنولوجيا تتطور بوتيرة غير مسبوقة، وسوق العمل يتغير باستمرار، والوظائف التي كانت مطلوبة قبل سنوات قد تختفي لتحل محلها وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة، لذلك لم يعد كافيا أن نحصل على شهادة تعليمية، بل أصبح التعلم المستمر ضرورة تفرضها طبيعة العصر.

إن الاقتصاد الحديث لا يعتمد فقط على أصحاب الشهادات الجامعية، وإنما يحتاج أيضا إلى فنيين ومهنيين يمتلكون كفاءة عالية هذه الفئة هي العمود الفقري للصناعة والإنتاج، وكلما ارتفع مستوى تأهيلها، ارتفعت معها القدرة التنافسية للاقتصاد، ولا يمكن فصل بناء الإنسان عن الصحة فالمواطن الذي يتمتع بصحة جيدة يكون أكثر قدرة على العمل والإنتاج والإبداع كما أن الاهتمام بالصحة الوقائية، ونشر الوعي الصحي، وتحسين جودة الخدمات الطبية، ليس عبئا على الدولة، بل هو استثمار يعود بعائد اقتصادي واجتماعي كبير.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو بناء الوعي، المجتمعات لا تتقدم بالعلم وحده، وإنما تحتاج أيضا إلى مواطن يدرك حجم التحديات، ويحترم القانون، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويشارك بإيجابية في مجتمعه، الوعي هو الذي يحول المعرفة إلى سلوك، ويجعل التنمية جزءا من ثقافة المجتمع، وليس مجرد خطط حكومية، والشباب هم الرهان الحقيقي في هذه المعادلة، لدينا طاقات كبيرة، وأفكار مبدعة، وقدرة على الإنجاز، لكن هذه الطاقات تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها الفرصة وعندما نتيح للشباب التدريب الجيد، ونشجعهم على الابتكار وريادة الأعمال، فإننا لا نساعد أفرادا فقط، بل نبني اقتصادا أكثر قدرة على النمو.

وفي المحافظات، يمكن تحقيق الكثير في هذا المجال من خلال دعم مراكز التدريب، وتشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية، وإتاحة مساحات أكبر للمشاركة المجتمعية، التنمية المحلية لا تتعلق بالخدمات وحدها، بل بقدرتها على إعداد مواطن يمتلك الثقة في نفسه، ويشعر بأنه شريك في بناء مجتمعه.

في النهاية، أؤمن بأن كل مشروع يمكن تطويره أو استبداله، وكل طريق يمكن توسيعه، وكل مبنى يمكن إعادة بنائه أما الإنسان، فهو الأصل الذي تبنى عليه كل هذه الإنجازات، وإذا نجحنا في الاستثمار فيه، تعليما وتدريبا وصحة ووعيا، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لتنمية تستمر لأجيال، لأن بناء الإنسان ليس ملفا ضمن ملفات الدولة، بل هو المشروع الوطني الأكبر الذي تتوقف عليه كل المشروعات الأخرى.

اعلان 1
1234

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى