مقالات

من يداوي المرضى إذا أصبح المرض نفسه سلعة؟

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
أستاذ العلوم السياسية

في كل دقيقة تقريبا، يظهر على شاشة هاتف شخص ما “خبير” جديد يعد الناس بالشفاء السريع، رجل يتحدث بثقة عن علاج السكري دون دواء، وسيدة تؤكد أن وصفة منزلية قادرة على إذابة الدهون خلال أيام، وشاب يقدم نفسه باعتباره متخصصا في التغذية العلاجية بينما لا يملك أي مؤهل علمي معروف، ملايين المشاهدات، وآلاف المشاركات، وعشرات الآلاف من التعليقات التي تبحث عن الأمل في كلمات عابرة لا تخضع لرقابة ولا تستند إلى علم.

هكذا لم يعد الخطر الصحي في العصر الرقمي مرتبطا فقط بانتشار الأمراض، بل أصبح مرتبطا أيضا بانتشار المعلومات الخاطئة، وبينما كانت الأوبئة قديمًا تنتقل عبر الحدود الجغرافية، أصبحت الأكاذيب الطبية اليوم تنتقل بسرعة الضوء عبر الحدود الإلكترونية، لتصيب العقول قبل الأجساد.

الضجة التي أثارتها مؤخرا أنظمة غذائية ووصفات علاجية متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بانتشار منتحلي صفة الأطباء ومروجي العلاج الوهمي عبر المنصات الرقمية وهي ظاهرة لا تقتصر على دولة بعينها، بل أصبحت تحديا عالميا دفع العديد من الحكومات والهيئات الصحية إلى إطلاق تحذيرات متكررة من خطورة الاعتماد على المحتوى الطبي غير الموثق.

المشكلة هنا لا تتعلق بحرية التعبير أو تداول المعلومات، وإنما بحدود المسؤولية عندما تتحول النصيحة الصحية إلى أداة قد تدفع إنسانا إلى ترك العلاج، أو تغيير نظامه الدوائي، أو الخضوع لممارسات غير آمنة قد تنتهي بكارثة صحية، المريض بطبيعته يبحث عن الأمل، والنصاب بطبيعته يبحث عن الضحية، وعندما تلتقي الحاجة الإنسانية بالخداع المنظم تكون النتيجة مؤلمة.

إن هذه الظاهرة تعكس تحولا مهما في طبيعة التحديات التي تواجه الدول الحديثة، في الماضي كانت الدولة مطالبة بحماية الحدود وتأمين المؤسسات ومواجهة التهديدات التقليدية، أما اليوم فقد أضيف إلى ذلك ما يمكن تسميته “الأمن المعرفي”، أي حماية المجتمع من المعلومات المضللة التي تؤثر في وعي المواطنين وسلوكهم وقراراتهم اليومية.

ولعل أخطر ما في قضية التضليل الطبي أنها تضرب الثقة في المؤسسات العلمية نفسها، عندما يصدق المواطن مؤثرا مجهولا أكثر مما يصدق طبيبا متخصصا أو مؤسسة صحية رسمية، فإننا لا نكون أمام أزمة معلومات فقط، بل أمام أزمة ثقة مجتمعية تحتاج إلى معالجة عميقة وقد أثبتت جائحة كورونا أن الشائعات الطبية قد تكون أحيانا أكثر خطورة من المرض ذاته، عندما تدفع الناس إلى رفض العلاج أو تجاهل الإجراءات الوقائية أو اللجوء إلى وصفات غير علمية.

التاريخ يقدم لنا شواهد عديدة على خطورة الدجل الطبي ففي القرن التاسع عشر انتشرت في أوروبا وأمريكا ما عرفت بـ”الأدوية السحرية”، التي كان يتم الترويج لها باعتبارها علاجا لكل الأمراض تقريبا وبعد سنوات طويلة اكتشف الناس أن كثيرا منها لم يكن سوى خليط من مواد عديمة الفائدة أو ضارة بالصحة، تغيرت الوسائل، لكن الفكرة بقيت واحدة: بيع الوهم تحت لافتة العلاج.

ومن هنا فإن المواجهة لا يجب أن تقتصر على العقوبات القانونية، رغم أهميتها، بل يجب أن تمتد إلى بناء وعي صحي ورقابة رقمية أكثر تطورا فكما تمتلك الدول وحدات لمكافحة الجرائم الإلكترونية، أصبحت الحاجة ملحة إلى آليات متخصصة لرصد المحتوى الطبي المضلل، خاصة في ظل التطور المتسارع للمنصات الرقمية وقدرتها على الوصول إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة.

كما أن وسائل الإعلام مطالبة بدور أكثر فاعلية في تقديم المعرفة العلمية بلغة مبسطة ومفهومة، لأن الفراغ المعرفي هو البيئة المثالية التي ينمو فيها الدجل وكلما تأخر الخطاب العلمي الرصين، تقدمت الأصوات التي تتاجر بالخوف والمرض والأمل الزائف.

إن القضية في جوهرها ليست مجرد صفحات وهمية أو وصفات مضللة، بل معركة بين العلم والخرافة، وبين المعرفة والتضليل، وبين مؤسسات الدولة ومنصات الفوضى الرقمية هي معركة ستزداد تعقيدا مع التطور الهائل في أدوات الاتصال والتأثير.

ويبقى السؤال الأكبر: إذا كانت التكنولوجيا قد منحت الجميع القدرة على الحديث في الطب دون علم، فهل تستطيع المجتمعات أن تبني بالسرعة نفسها مناعة معرفية تحمي المواطن من أن يصبح جسده حقلا لتجارب الوهم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى