مقالات

هل نجح مشروع تطوير التأمينات الاجتماعية أم نجحت إدارة الأزمة إعلاميًا؟

دعوة عاجلة للجنة تقصى حقائق مستقلة قبل إسدال الستار على الدورة البرلمانية الحالية

كتب : كامل السيد

خبير التأمينات والمعاشات

فى توقيت بالغ الحساسية، وقبل أيام قليلة من انتهاء الدورة البرلمانية الحالية عقب إقرار الموازنة العامة التقديرية للدولة للعام المالى 2026 / 2027، تبرز مسئولية تاريخية أمام لجنة القوى العاملة بمجلس النواب وهى تناقش أوضاع الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية ومستقبل مشروع التحول الرقمى الذى تم تطبيقه داخل الهيئة خلال الشهور الماضية.
فالقضية لم تعد مجرد خلاف فى وجهات النظر بين مؤيد ومعارض، وإنما أصبحت قضية تمس حقوق ملايين أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم وأصحاب الأعمال والعاملين بالخارج والعاملين بالهيئة، فضلاً عن ارتباطها بإنفاق مئات الملايين من الجنيهات من أموال التأمينات.
وخلال اللقاءات الإعلامية الأخيرة، قدمت إدارة الهيئة رواية رسمية مفادها أن النظام القديم كان يفتقد التوثيق، وأنه تراكم عبر سنوات طويلة من التعديلات والترقيعات، بما استوجب الانتقال إلى منظومة جديدة بالكامل.
غير أن هذه الرواية تثير العديد من التساؤلات الموضوعية التى تستحق الإجابة. فهناك دراسات سابقة تناولت توثيق الإجراءات والعمليات التأمينية لكافة قوانين التأمين الاجتماعى والمنشورات الوزارية والتعليمات وقرارات رئيس الجمهورية وقرارات رئيس الوزراء فيما يخص التأمين الاجتماعى بصورة تفصيلية قام بها خبراء من الهيئة عام ٢٠٠٨ وكنت واحدا منهم تحت اشراف الأستاذ محمد الصياد ، ودراسة وثائقية خاصة بتحويل الأرشيف اليدوى الى أرشيف الكترونى من خلال لجنة بصندوق قطاع الأعمال العام والخاص برئاستى وقد سلمتها لرئيس الهيئة فى بداية عام ٢٠٠٩ ، كما أن الحاسب المركزى القديم ظل لسنوات طويلة يدير عمليات الهيئة ويخدم ملايين العملاء ويتم تطويره بشكل مستمر وفق أحدث ماوصلت اليه التكنولوجيا الحديثة وأقر رئيس الهيئة بأنه أنفق على النظام القديم مليار ونصف خلال ٦ سنوات . والأهم من ذلك أن الهيئة نفسها قامت بالتعاقد على أعمال لرفع كفاءة الحاسب المركزى وملحقاته لفترات تمتد لسنوات لاحقة وبدقة لمدة ثلاث سنوات تبدأ من ١ / ٧ / ٢٠٢٤ حتى ٣٠ / ٦ / ٢٠٢٧ بمبلغ ٢٤٨٤٠٠٠٠٠ مليون جنيه وهذا النظام القديم كان يؤدى الخدمات التأمينية بكفاءة وسهولة ويسر واستبدل بنظام أوقف معظم خدمات النظام القديم وبطيئ جدا وكان يجب التشغيل بالتوازى لحين التحقق من سلامة السيستم الجديد ، الأمر الذى يطرح تساؤلاً مشروعاً حول الأسس الفنية والاقتصادية التى استندت إليها قرارات الإحلال والاستبدال الشامل بنظام لم يتم تجريبة بشكل علمى ومتدرج وشامل .
كما أن الحديث عن نجاح المنظومة الجديدة يجب أن يخضع لمؤشرات أداء قابلة للقياس والتحقق، لا إلى مجرد تصريحات إعلامية أو تقارير صادرة عن الجهات ذاتها المسئولة عن التنفيذ.
ومن هنا تبرز أهمية مراجعة ما قيل بشأن المرحلة التجريبية التى سبقت تعميم النظام الجديد على مستوى الجمهورية. فإذا كانت التجربة قد حققت النجاح الكامل الذى يبرر التعميم حيث ان المعلومات المتداولة تفيد قصر التجريب على انشاء مكاتب أمامية وتخصيص نظام Crm لتلقى الطلبات وانجازها عن طريق النظام القديم Cics ، فمن حق الرأى العام والبرلمان الاطلاع على التقارير الفنية المعتمدة التى وثقت نتائجها ومجالات تجريبه جغرافيا ونوعيا والمدة التى تم قصر التشغيل على نظام Crm ونتائج خذا التشغيل ، ومعدلات الأداء التى تحققت خلالها، وحجم الأعطال التى تم رصدها، ومدى قدرة النظام على العمل فى ظروف التشغيل الحقيقى بكامل أحجام البيانات وعدد المستخدمين المتوقعين ، وتهجير بيانات النظام القديم مرة واحدة مما تسبب فى تعطيل السيستم الجديد وعدم قدرته على القيام بمهامه لأن تهجير البيانات هو أخطر المراحل ويجب أن يتم بالتدريج .
إن الجهة المنفذة أو المشرفة على التنفيذ لا يمكن أن تكون المصدر الوحيد للحكم على نجاح المشروع أو فشله ومصدر اامعلومات الوحيد ، لأن قواعد الحوكمة الرشيدة والرقابة المؤسسية تقتضى وجود تقييم مستقل ومحايد يصدر عن جهات فنية لا ترتبط بعملية التنفيذ ذاتها.
والواقع العملى الذى يرصده المواطنون والعاملون والمتعاملون مع الهيئة يومياً يشير إلى استمرار شكاوى تتعلق بتأخر إنجاز معظم الخدمات، وصعوبات تتصل بجودة البيانات والمخرجات ، وتراكم أغلب المعاملات، واستمرار الاعتماد فى بعض الحالات على إجراءات يدوية أو مراجعات إضافية للتأكد من سلامة النتائج، فضلاً عن الحاجة المستمرة لمعالجة ملفات متعددة ترتبط بالتغطية التأمينية والاستحقاقات والمعاشات والمديونيات والمقاولات والسيارات والسائقين والعمالة الغير مننظمة وتسجيل قرارات العجز وغيرها من الملفات الحيوية وتحدبد من اصدر قرار ايقاف حساب الفوائد القانونية على المتأخرات المالية منذ شهر مارس الماضى .
كما يثور التساؤل حول مدى اكتمال نقل البيانات ورفع كفاءتها واستقرارها، ومدى دقة المخرجات النهائية للنظام فى جميع الحالات، خاصة فى الملفات ذات الطبيعة المركبة التى تتطلب مستويات عالية من الدقة القانونية والحسابية.
ومن زاوية أخرى، فإن حجم الإنفاق الذى تم على مشروع التطوير، سواء فيما يتعلق بالبرمجيات أو البنية التحتية أو الشبكات أو المبانى أو الأجهزة، يستوجب مراجعة دقيقة تبين ما تم تنفيذه فعلياً على أرض الواقع، وما العائد الذى تحقق منه، وما إذا كانت جميع المواقع التابعة للهيئة قد استفادت من أعمال التطوير بالقدر ذاته أم لا، وكذلك تطوير المبانى .
كما أن أوضاع العاملين داخل الهيئة تستحق المراجعة، سواء فيما يتعلق بتوزيع الأعمال والتدريب والتأهيل أو فيما يتعلق بتطبيق اللوائح المنظمة لشئون العاملين والحوافز والمكافآت والادارة الديموقراطية ، باعتبار أن نجاح أى تحول رقمى يرتبط فى المقام الأول بقدرة العنصر البشرى على استيعابه وتشغيله بكفاءة.
لذلك فإن المهمة المطروحة أمام لجنة القوى العاملة خلال الأيام المتبقية من عمر البرلمان الحالى تتجاوز مجرد الاستماع إلى وجهة نظر الإدارة التنفيذية للهيئة، لأن ضيق الوقت لا يسمح بالوصول إلى الحقيقة الكاملة من خلال جلسة أو عدة جلسات استماع محدودة.
ومن ثم فإن المصلحة العامة تقتضى أن تصدر اللجنة توصية عاجلة إلى السيد رئيس مجلس النواب والسيد رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تقصى حقائق مستقلة ومحايدة تتولى إجراء مراجعة شاملة لمشروع تطوير التأمينات الاجتماعية ونتائجه الفعلية على أرض الواقع ودراسة هل كان النظام القديم سيتوقف العام القادم ٢٠٢٧ حقا ؟ ومن المسئول عن ذلك .
ونقترح أن تضم هذه اللجنة:
أساتذة متخصصين فى هندسة الحاسبات ونظم المعلومات من كلية الهندسة بجامعة عين شمس أو غيرها من المؤسسات الأكاديمية المتخصصة.
ممثلين عن الجهاز المركزى للمحاسبات.
خبراء اكتواريين مستقلين من خارج الهيئة.
خبراء فى إدارة المشروعات والتحول الرقمى.
ممثلين عن أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم والعاملين بالهيئة.
وتكون مهمة اللجنة فحص جميع مراحل المشروع منذ التعاقد وحتى التشغيل الفعلى، ومراجعة نتائج المرحلة التجريبية، وقياس مؤشرات الأداء الحقيقية، والتحقق من سلامة البيانات، وحصر التكلفة الفعلية للمشروع، وتقييم مدى تحقيقه للأهداف التى أُنشئ من أجلها.
فالقضية اليوم ليست إثبات نجاح أو فشل أشخاص، وإنما حماية أموال التأمينات وصون حقوق المواطنين وضمان حصول الدولة على تقييم موضوعى ومحايد بعيداً عن أى اعتبارات إعلامية أو إدارية.
إن الحقيقة الكاملة لا يجب أن تكون حكراً على جهة واحدة، ولا يجوز أن يكون مصدرها الوحيد هو المسئول عن تنفيذ المشروع ذاته، وإنما يجب أن تصدر عن تحقيق فنى مستقل يطمئن إليه البرلمان والحكومة والرأى العام معاً.
وحتى يحدث ذلك، ستظل الأسئلة المطروحة أكبر من الإجابات المقدمة، وسيظل الواقع الذى يواجهه المواطنون يومياً هو المعيار الحقيقى للحكم على نجاح المنظومة من عدمه ، وكفى أن نطلب من المتضررين الغير مذنبين الصبر والمهل وتجديد المهل دون حساب المقصرين .
وعموما فإنه :
عند تقييم نظام الرقمنة والتحول الرقمي في الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية في مصر، فإن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بإطلاق المنظومة، بل بمدى تحقيقها لأهداف عملية ملموسة على أرض الواقع.
​رغم وجود بعض التحديات التقنية التي تصاحب عادة المراحل الانتقالية لأي نظام تكنولوجي ضخم (مثل فترات توقف السيستم أو تداخل الأنظمة الحديثة مع الأنظمة اللوجستية القديمة)، إلا أن هناك دلائل عملية ومؤشرات واضحة تعكس نجاح التوجه نحو الرقمنة وتأثيره الإيجابي.
​ويمكن تلخيص أبرز هذه الدلائل العملية في النقاط التالية:
​1. تدشين المنظومة الرقمية الشاملة (المنصة الموحدة)
​قاعدة بيانات موحدة: دمج ملفات المفتشين والشركات وأصحاب المعاشات في نظام رقمي قومي موحد، مما يقلل الاعتماد على الملفات الورقية “الدوسيهات” التي كانت عرضة للتلف أو الفقد.
​الربط الشبكي بين الجهات: الربط الإلكتروني بين هيئة التأمينات والجهات الحكومية الأخرى (مثل مصلحة الأحوال المدنية، والنيابة العامة لنيابات الأسرة، ووزارة الصحة)، مما يتيح تحديث بيانات المستحقين تلقائياً (كحالات الوفاة أو الزواج) دون الحاجة لتقديم مستندات ورقية متكررة.
​2. تيسير الخدمات وإنهاء التعاملات “عن بُعد
​البوابة الإلكترونية للهيئة: على الأقل إتاحة أكثر من 50 خدمة تأمينية عبر الإنترنت، مثل الاستعلام عن الرقم التأميني، ومدد الاشتراك، والأجور التأمينية للمؤمن عليهم، دون الحاجة لزيارة المقرات.
​التكامل مع منصة “مصر الرقمية”: توفير الخدمات التأمينية الأساسية على منصة حكومية موحدة ومتاحة للمواطنين على مدار الساعة.
​3. تطوير آليات الصرف وتعدد القنوات المالية
إلغاء البطاقات التقليدية: استبدال بطاقات صرف المعاشات القديمة بـ “كارت ميزة” والبطاقات الذكية، والربط مع المحافظ الإلكترونية للهواتف المحمولة.
​توسيع شبكة الصرف: إمكانية صرف المعاشات والدفعات التأمينية من خلال ماكينات الصراف الآلي (ATM)، ومنافذ شركات الدفع الإلكتروني (مثل فوري وأمان)، ومكاتب البريد، مما يقضى بشكل كبير على التكدس الطويل الذي يحدث شهرياً أمام المنافذ التابعة للهيئة.
​4. حوكمة النظام المالي وتقليل الهدر
​التدقيق الرقمي: مساهمة الرقمنة في إحكام الرقابة على أموال التأمينات ومنع ازدواجية الصرف أو استمرار صرف معاشات لأشخاص غير مستحقين قانوناً، مما يحمي أموال أصحاب المعاشات والمشتركين.
​تسريع وتيرة الفحص والتفتيش: تحول عمليات التفتيش على المنشآت والشركات إلى نظام مميكن يعتمد على تقييم المخاطر، مما يقلل من التدخل البشري والتقديرات العشوائية.
​5. تقليص زمن إنهاء الخدمة (المستهدف العملي)
​سرعة احتساب المؤشرات: في الدوائر التي اكتملت فيها البنية التكنولوجية واستقرت الأنظمة الجديدة (مثل أنظمة إدارة علاقات العملاء CRM الحديثة)، انخفاض زمن ملفات ربط المعاش وصرف المستحقات مقارنة بالسنوات الماضية التي كانت تستغرق أشهراً لتجميع مدد الخدمة من محافظات مختلفة، بفضل الأرشيف الإلكتروني والملف الرقمي الموحد.
​خلاصة القول:
النجاح العملي للرقمنة في التأمينات يظهر بوضوح في التحول من “الورقة والدورة المستندية المعقدة” إلى “البيانات اللحظية المتكاملة”. ورغم أن استقرار النظام التكنولوجي الكامل يتطلب وقتاً لتلافي العيوب التقنية وفترات تباطؤ السيستم الناتجة عن ضغط البيانات، إلا أن البنية التحتية الحالية وضعت أساساً ثابتاً لحوكمة أموال التأمينات وتسهيل حياة الملايين من أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى