هوس «الترند».. خطر يهدد قيم المجتمع

اللواء الدكتور رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
أستاذ العلوم السياسية
لم تعد معركة الإنسان اليوم فقط في الحصول على المعرفة أو تطوير مهاراته أو تحقيق إنجاز حقيقي يضيف إلى رصيده، بل أصبح هناك سباق آخر فرضته طبيعة العصر الرقمي؛ سباق البحث عن الظهور بأي ثمن، والسعي خلف لحظة عابرة من الشهرة قد تمنح صاحبها آلاف المتابعين، لكنها في كثير من الأحيان لا تضيف قيمة حقيقية إلى حياته أو إلى المجتمع من حوله.
لقد أصبح مفهوم «الترند» حاضرا بقوة في تفاصيل حياتنا اليومية، وأصبحت بعض المنصات قادرة خلال ساعات قليلة على صناعة أسماء لم تكن معروفة، لكنها في المقابل خلقت لدى البعض هوسا بالانتشار السريع، حتى بات الهدف أحيانا ليس تقديم فكرة أو محتوى نافع، وإنما مجرد جذب الانتباه وإثارة الجدل، ولو كان ذلك على حساب الخصوصية أو الذوق العام أو القيم التي ظل المجتمع يحافظ عليها عبر أجيال طويلة.
المشكلة ليست في التكنولوجيا أو في وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، فهذه الأدوات أصبحت جزءا أساسيا من عالمنا، وتمثل فرصة كبيرة للتعلم والتواصل والتعبير عن الأفكار ودعم المواهب الحقيقية، لكن التحدي يكمن في طريقة الاستخدام، وفي تحول بعض المنصات من وسيلة للتواصل إلى ساحة لمنافسة غير منضبطة على المشاهدات والإعجابات.
إن أخطر ما في ظاهرة هوس «الترند» أنها قد تجعل البعض يعتقد أن الشهرة هدف مستقل عن القيمة، وأن الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين هو معيار النجاح، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تبنى بالأرقام الافتراضية، وإنما بما يقدمه الإنسان من علم وعمل وأخلاق وتأثير إيجابي.
وقد شهدنا خلال الفترة الماضية نماذج تؤكد أن السعي وراء الشهرة بأي طريقة يمكن أن يدفع بعض الأشخاص إلى تقديم محتوى لا يليق بثقافة المجتمع، أو التنازل عن أبسط قواعد المسؤولية، فقط من أجل تحقيق انتشار مؤقت وهنا تظهر الحاجة إلى التوقف أمام هذه الظاهرة ليس بهدف رفض العصر الرقمي، وإنما بهدف إعادة ضبط العلاقة بين الإنسان وهذه الأدوات.
إن الحرية في الفضاء الإلكتروني يجب أن تكون مرتبطة بالمسؤولية، لأن الكلمة والصورة والفيديو لم تعد تأثيراتها محدودة بدائرة ضيقة، بل أصبحت قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق ولذلك فإن نشر أي محتوى يحمل رسالة سلبية أو يروج لسلوكيات غير مقبولة قد يترك آثارا تتجاوز صاحب المحتوى نفسه.
وتبقى الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية أمام مسؤولية كبيرة في بناء وعي جديد لدى الأجيال الشابة، وشرح أن النجاح الحقيقي لا يأتي من لحظة انتشار عابرة، وإنما من بناء شخصية قادرة على الإنجاز والإضافة، الشاب الذي يمتلك علما أو موهبة أو مشروعا حقيقيا هو من يصنع تأثيرا مستداما، وليس من يبحث عن تصدر المشهد ليوم أو يومين.
كما أن الإعلام يتحمل دورا مهما في هذه المعادلة، فكلما تم تسليط الضوء على المحتوى الهادف والنماذج الإيجابية، تراجعت مساحة الاهتمام بالسلوكيات التي تعتمد على الإثارة فقط، الإعلام لا ينقل الواقع فحسب، بل يساهم أيضا في تشكيل الوعي العام وتحديد ما يستحق الاهتمام.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تعيد تعريف الشهرة، فلا تكون الشهرة في قدرتنا على جذب الأنظار فقط، بل في قدرتنا على ترك أثر طيب، المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، وإنما يحتاج إلى أصوات تضيف، وأفكار تبني، ونماذج تلهم الآخرين.
وفي النهاية، فإن مواجهة هوس «الترند» ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد بما يقدمه، ومن دور الأسرة في التربية، ومن دور المؤسسات في بناء الإنسان، التكنولوجيا ستتطور يوما بعد يوم، لكن الحفاظ على القيم سيظل هو الضمان الحقيقي لأن يكون هذا التطور في خدمة المجتمع لا على حسابه.