ذكاء.. بلا فوضى

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
خبير الإدارة المحلية
لم يعد العالم يقاس بما يملكه من ثروات طبيعية أو بما ينتجه من سلع تقليدية، بل بما يمتلكه من معرفة وقدرة على إنتاج التكنولوجيا وإدارة البيانات، وقد دخلت البشرية مرحلة جديدة تتجاوز الثورة الرقمية إلى ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الخوارزميات شريكا في اتخاذ القرار، وأضحت البيانات هي الوقود الحقيقي للاقتصاد، بينما تحولت التقنيات الذكية إلى عنصر مؤثر في السياسة والأمن والتعليم والصحة والإعلام وفي خضم هذا التحول المتسارع، لم يعد السؤال هو ما إذا كنا سنستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمه بصورة آمنة ومسؤولة، تضمن تعظيم فوائده وتحد من مخاطره، وهو ما يجعل حوكمة الذكاء الاصطناعي ضرورة وطنية ودولية لا تحتمل التأجيل.
إن الذكاء الاصطناعي يستخدمنا بالفعل في تفاصيل حياتنا اليومية؛ يقترح ما نقرأ، ويختار ما نشاهد، ويرشدنا إلى ما نشتري، بل ويسهم أحيانا في تشكيل ما نصدقه وما نرفضه لكن من يضع القواعد التي تحكمها؟ ومن يراقب الخوارزميات التي تديرها؟ ومن يحمي الإنسان عندما تخطئ الآلة، أو تنحاز، أو تتحول من أداة لخدمة البشر إلى وسيلة للتأثير في وعيهم وتوجيه قراراتهم والسيطرة على اختياراتهم؟
هذه التساؤلات تطرح أهمية حوكمة الذكاء الاصطناعي، ليس باعتبارها قيدا على التكنولوجيا، وإنما باعتبارها الضمان الوحيد لاستمرار الثقة فيها، لأن كل تقنية بلا ضوابط يمكن أن تتحول إلى خطر، وكل قوة بلا مسؤولية قد تصبح تهديدا للمجتمع وقد أثبت التاريخ أن الابتكار وحده لا يكفي، وأن الحضارات لا تقاس فقط بما تنتجه من أدوات، بل بما تضعه من قيم تحكم استخدامها.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة تتنافس فيها الدول على وضع الأطر القانونية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي، لأن من يكتب قواعد اللعبة اليوم سيكون أحد صناع المستقبل غدا ولم تعد المنافسة تقتصر على امتلاك التطبيقات والمنصات، بل امتدت إلى بناء بيئة تشريعية قادرة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمع، وفي مصر، تمضي الدولة بخطوات متسارعة نحو التحول الرقمي وبناء اقتصاد المعرفة، وهو مسار يفرض ضرورة تطوير منظومة متكاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تبدأ من التشريع ولا تنتهي عند نشر الثقافة الرقمية، ويجب أن تواكب القوانين سرعة التطور، والمؤسسات مطالبة ببناء قدراتها، والجامعات مطالبة بإعداد كوادر تمتلك المعرفة التقنية والوعي الأخلاقي معًا.
إن الثقة الرقمية لا تتحقق بمجرد إصدار القوانين، وإنما تحتاج إلى ممارسات يومية تقوم على الشفافية والإفصاح والمساءلة، ومن حق المواطن أن يعرف كيف تستخدم بياناته، وكيف تتخذ القرارات التي تؤثر في حياته، وما هي الجهة التي يمكنه اللجوء إليها إذا تعرض لضرر بسبب نظام ذكي أو قرار آلي، والأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحا في حروب المعلومات، حيث يمكن إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات مزيفة يصعب تمييزها عن الحقيقة، بما يهدد الأمن المجتمعي ويزعزع الثقة في المؤسسات والإعلام ولذلك فإن بناء الثقة الرقمية أصبح جزءا من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد ملف تقني يخص خبراء البرمجيات.
لن يكون المستقبل للأكثر امتلاكا للتكنولوجيا فقط، بل للأكثر قدرة على إدارتها بحكمة، العالم لا يحتاج إلى ذكاء اصطناعي سريع فحسب، وإنما يحتاج إلى ذكاء اصطناعي مسؤول، يحترم الإنسان ولا يستبدله، ويخدم المجتمع ولا يتحكم فيه، ويصنع التنمية دون أن يهدم القيم وفي النهاية، ستظل التكنولوجيا مجرد أداة، أما الإنسان فهو الغاية، وستظل الخوارزميات مهما بلغت من الدقة عاجزة عن تعويض الضمير الإنساني، وستبقى الثقة هي العملة الأغلى في العصر الرقمي.
إن حوكمة الذكاء الاصطناعي ليست رفاهية تشريعية، بل ضرورة وطنية، والثقة الرقمية ليست خيارا، بل الأساس الذي سيحدد قدرة الدول على دخول المستقبل بثبات، وقدرة المجتمعات على الاستفادة من الثورة التقنية دون أن تدفع ثمنها من أمنها أو خصوصيتها أو إنسانيتها.