اللواء د. رضا فرحات يكتب حين تصبح المنصة مصنعا… والدولة عقلا رقميا ..الاقتصاد بعقل رقمي

الدول لا تتقدم بالقرارات وحدها، وإنما بالطريقة التي تدار بها هذه القرارات، وبين دولة تملك القوانين ولا تملك آليات التنفيذ، ودولة تمتلك منظومة تجعل القرار يتحرك بسرعة الضوء، تتحدد الفجوة بين من يلاحق المستقبل ومن يصنعه،لهذا، لم أنظر إلى إطلاق المنظومة الرقمية الموحدة لدعم المصنعين باعتباره خبرا اقتصاديا عابرا، أو منصة إلكترونية جديدة تضاف إلى عشرات المنصات الحكومية، بل عنوانا لمرحلة مختلفة، تتغير فيها فلسفة الدولة نفسها، الدولة التي كانت تطلب من المستثمر أن يطوف على عشرات المكاتب، أصبحت هي التي تجمع مؤسساتها في شاشة واحدة، و هذه ليست رفاهية تكنولوجية، وإنما إعادة تعريف لمعنى الإدارة.
ربما تبدو المنصة الرقمية مسألة فنية، لكن الحقيقة أنها تعكس رؤية كاملة للدولة، الدول الحديثة لم تعد تقاس بعدد المصانع فقط، وإنما بسرعة القرار، ودقة البيانات، وقدرة المؤسسات على العمل كجسد واحد، لا كجزر معزولة، العالم اليوم يعيش حربا صامتة، ليست حربا بالدبابات وحدها، وإنما بالاقتصاد، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والقدرة على جذب الاستثمار، من يملك المعلومة يملك القرار، ومن يملك القرار يملك السوق، ومن يملك السوق يملك جزءا مهما من نفوذ الدولة، ولذلك فإن الصناعة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، الدولة التي تصنع غذاءها ودواءها ومعداتها، هي دولة أقل تعرضا للابتزاز، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارها بحرية، أما الدولة التي تعتمد على الخارج في كل شيء، فإن سيادتها تصبح رهينة لما ينتجه الآخرون، ولما يسمحون بتصديره إليها.
من هنا، يصبح دعم المصنع المصري عملا وطنيًا قبل أن يكون برنامجا اقتصاديا ويصبح اختصار الإجراءات، وتقليل زمن الحصول على الخدمة، ومواجهة البيروقراطية، معركة لا تقل أهمية عن بناء مصنع جديد، لسنوات طويلة، كانت الشكوى واحدة، المستثمر لا يخشى المنافسة، لكنه يخشى الطريق إليها، كثرة الجهات، وتعدد الموافقات، وتكرار الإجراءات، كانت تستنزف الوقت والمال والطاقة، ولم يكن الحل في إصدار تعليمات جديدة كل عام، وإنما في تغيير قواعد اللعبة نفسها وهذا ما تحاول الدولة أن تفعله الآن.
إن المنظومة الرقمية الموحدة ليست مجرد تطبيق إلكتروني، بل إعلان بأن زمن الإدارة الورقية يقترب من نهايته وأن الدولة لم تعد تريد أن يتحرك المستثمر بين المكاتب، بل تريد أن تتحرك المؤسسات نفسها لخدمته وهذا هو الفارق بين إدارة تعطل التنمية، وإدارة تصنعها، ومن يتابع مسار الجمهورية الجديدة، يكتشف أن هذه الخطوة ليست منفصلة عن غيرها، فهناك خيط واضح يبدأ من تطوير البنية التحتية، ويمر بالموانئ والطرق والمناطق الصناعية، ثم يصل إلى الرقمنة والحوكمة وتبسيط الإجراءات، إنها حلقات في مشروع واحد، لا يمكن قراءة أي حلقة منه بمعزل عن الأخرى.
والأهم أن الرسالة لا تتجه إلى الداخل فقط، وإنما إلى الخارج أيضا فكل مستثمر يبحث عن دولة مستقرة، وقانون واضح، وإجراءات سريعة، ومؤسسات تستطيع أن تنجز، ولم تعد المنافسة اليوم بين العمالة الرخيصة والعمالة المرتفعة، وإنما بين الدول التي توفر الوقت، والدول التي تستهلكه، والوقت في عالم الاستثمار يساوي رأس مال.
قد يختلف البعض حول السياسات الاقتصادية، أو أولويات الإنفاق، أو سرعة التنفيذ، وهذا حق طبيعي، لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن تحديث الإدارة أصبح ضرورة وجود، لا خيارا إداريا، وأن العالم لن ينتظر دولة تؤجل إصلاح مؤسساتها، ولن يمنح ميزة تنافسية لمن يصر على العمل بأدوات الأمس.
إنني أؤمن بأن معركة الصناعة تبدأ من المصنع، لكنها لا تنتهي عنده، تبدأ من المدرسة التي تخرج العامل الماهر، والجامعة التي تؤهل المهندس، والميناء الذي يسرع التصدير، والطريق الذي يخفض التكلفة، والمنصة الرقمية التي تمنح المستثمر دقيقة بدلا من شهر، ويوما بدلا من عام، هذه هي الدولة التي نحتاجها… دولة تفكر قبل أن تنفذ، وتخطط قبل أن تنفق، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع الفرص، لا لتعقيد الحياة.
لقد اختارت مصر أن تدخل سباق المستقبل من بابه الصحيح، الاقتصاد الرقمي ليس شعارا، والصناعة ليست ملفا حكوميا، والاستثمار ليس مجرد أرقام في تقارير رسمية إنها جميعا أدوات لبناء قوة الدولة، وتعزيز استقلال قرارها، وحماية أمنها القومي.
وفي النهاية، لا تبنى الأمم بالضجيج، وإنما بالإدارة، ولا تصنع النهضة كثرة الشعارات، وإنما جودة المؤسسات، وعندما يصبح المصنع أكثر كفاءة، والإجراء أكثر سرعة، والقرار أكثر ذكاء، نكون قد وضعنا حجرا جديدا في بناء جمهورية تعرف أن المستقبل لا ينتظر المترددين، وإنما يكافئ من يستعدون له قبل الآخرين.