المستقبل يكتب شروطه

اللواء د. رضا فرحات
أستاذ العلوم السياسية
هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: لا يمكن أن يتغير العالم من حولنا، بينما نظل نعد أبناءنا للحياة بالطريقة نفسها التي كانت مناسبة لعالم الأمس، سوق العمل تغير، هذه ليست عبارة للاستهلاك، ولا عنوانا لمؤتمر، هي حقيقة يلمسها كل شاب يبحث عن فرصة، وكل أسرة تفكر في مستقبل أبنائها، وكل مؤسسة تحاول أن تجد موظفا يمتلك المهارة التي تحتاج إليها بالفعل.
قبل سنوات، كان الحصول على الشهادة الجامعية يمثل في حد ذاته خطوة كبيرة نحو الوظيفة، اليوم لم يعد الأمر بهذه البساطة، الشهادة مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية، صاحب العمل يبحث عن شخص يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا، وكيف يتعامل مع البيانات، وكيف يتعلم، وكيف يحل مشكلة، وكيف يعمل ضمن فريق، والأهم أنه يبحث عن شخص يستطيع أن يتطور مع الوظيفة، لا شخصا يعرف فقط ما تعلمه في الجامعة.
من هنا يجب أن نفهم أي حديث عن إعادة النظر في أعداد المقبولين ببعض التخصصات، أو زيادة الاهتمام بالحاسبات والمعلومات والجامعات التكنولوجية والتخصصات المرتبطة باحتياجات الاقتصاد، القضية ليست انتصار تخصص على آخر، وليست تقليلا من قيمة العلوم الإنسانية أو الأدبية، وإنما محاولة لوضع التعليم في المكان الصحيح داخل معادلة التنمية، الخطأ الحقيقي ليس أن يدرس الطالب الأدب أو التاريخ أو القانون أو العلوم السياسية، الخطأ أن نتركه سنوات طويلة في الدراسة ثم نكتشف بعد التخرج أن ما تعلمه لا يكفي وحده للدخول إلى سوق العمل وفي المقابل، لا يجب أن نقع في خطأ آخر، وهو الاعتقاد بأن المستقبل كله تكنولوجيا، وأن كل شاب يجب أن يصبح مبرمجا أو متخصصا في الذكاء الاصطناعي، المجتمع يحتاج إلى الطبيب والمهندس والمحامي والمعلم والصحفي والباحث والمحاسب والفني والمبرمج، المسألة ليست في إلغاء تخصصات لحساب أخرى، وإنما في تحقيق التوازن بين احتياجات المجتمع وأعداد الدارسين وفرص العمل المتاحة.
إن هذا التوازن يحتاج إلى بيانات حقيقية، وليس مجرد تقديرات، نحتاج أن نعرف: ما الوظائف التي سيحتاجها الاقتصاد خلال خمس سنوات؟ ما القطاعات التي تتوسع؟ أين توجد الفجوات في سوق العمل؟ وما المهارات التي يبحث عنها أصحاب الأعمال ولا يجدونها بسهولة؟ هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا من صناعة القرار التعليمي.
لكن الأهم هو أن نخرج من فكرة أن التعليم ينتهي عند باب الجامعة، التعليم الحقيقي لا يتوقف عند سن معينة ولا عند الحصول على شهادة، نحن ندخل مرحلة يصبح فيها التعلم المستمر شرطا للبقاء في سوق العمل نفسه، المهنة التي تبدأ بها قد تتغير أدواتها، وقد تتغير طبيعتها، وربما تختفي بعض وظائفها وتظهر وظائف أخرى لم تكن موجودة أصلا لذلك فإن مهارة التعلم أصبحت أهم من حفظ المعلومات.
الجامعات التكنولوجية والتعليم التطبيقي يمكن أن يكون لهما دور مهم في هذه المعادلة، ليس فقط لأنهما يرتبطان باحتياجات سوق العمل، ولكن لأنهما يقدمان نموذجا مختلفا لفكرة التعليم نفسها؛ تعليم يربط المعرفة بالتطبيق، ويمنح الطالب فرصة أكبر للاحتكاك بالمهنة قبل أن يصبح خريجًا يبحث عنها، لكن هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية: النظرة الاجتماعية حيث لا تزال بعض الأسر تتعامل مع التعليم الجامعي التقليدي باعتباره الطريق الوحيد للنجاح، بينما ينظر إلى التعليم الفني أو التكنولوجي باعتباره خيارا اضطراريا، هذه النظرة تحتاج إلى تغيير حقيقي و لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد حديث ونظل نقنع أبناءنا بأن قيمة الإنسان في اسم الكلية التي تخرج منها.
قيمة الخريج في قدرته، قد يكون لدينا خريج يحمل شهادة مرموقة لكنه لا يمتلك مهارة يحتاجها السوق، وفي المقابل قد يكون لدينا فني متخصص يستطيع تشغيل منظومة إنتاج كاملة بكفاءة، الأول لديه شهادة، والثاني لديه قيمة مهنية مباشرة، والاقتصاد الحديث يحتاج إلى الاثنين، لكن كل واحد منهما في المكان الذي يستطيع أن يضيف فيه، ومن هنا أيضا تأتي مسؤولية القطاع الخاص، لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الجامعة وسوق العمل علاقة انتظار؛ الجامعة تخرج، والشركات تختار من يصلح لها، الأفضل أن تبدأ العلاقة من سنوات الدراسة، من خلال التدريب الحقيقي، والبرامج المشتركة، والاستماع إلى احتياجات الشركات عند تطوير المناهج.
إن الدولة مطالبة بأن تجعل خريطة سوق العمل أمام الطلاب وأسرهم أكثر وضوحا، الطالب الذي يختار تخصصه وهو يعرف فرصه المستقبلية يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرار واعٍ، بدلا من أن يختار بناء على المجموع أو رغبة الأسرة أو ما يفعله أصدقاؤه، وفي النهاية، لا توجد معركة بين التعليم وسوق العمل، المعركة الحقيقية هي ضد الفجوة بينهما.
نحن نريد أجيالا تتعلم، لكنها تعرف لماذا تتعلم وتدرس، لكنها تعرف أين يمكن أن تستخدم ما درسته، وتحصل على شهادة، لكنها لا تتعامل معها باعتبارها نهاية الطريق.
المستقبل لن يسأل أبناءنا عن عدد السنوات التي قضوها في التعليم بقدر ما سيسألهم: ماذا تستطيعون أن تفعلوا؟ وهذه هي النقطة التي يجب أن نبدأ منها.
إذا أردنا اقتصادا أكثر قدرة على المنافسة، فعلينا أن نعد إنسانا قادرا على المنافسة وإذا أردنا وظائف جديدة، فعلينا أن نمتلك مهارات جديدة وإذا كان العالم يعيد ترتيب أولوياته كل يوم، فلا يجوز أن تظل خريطة تعليمنا ثابتة إلى الأبد.
التعليم في النهاية ليس مجرد صناعة شهادات، وإنما صناعة أجيال، والجيل الذي نعده اليوم هو الذي سيعيش المستقبل الذي نتحدث عنه الآن.