مقالات

بعد أكثر من سبعين عامًا… لماذا ما زلنا نتحدث عن ثورة 23 يوليو؟

بقلم – نجوى العشيري 

ليست كل الأحداث التاريخية متشابهة. فهناك أحداث تثير الاهتمام وقت وقوعها، ثم يطويها النسيان، وأخرى يظل صداها حاضرًا في الذاكرة الوطنية، مهما اختلفت حولها الآراء. ومن هنا يبرز سؤال يتجدد مع كل ذكرى لثورة 23 يوليو: لماذا ما زلنا نتحدث عنها بعد أكثر من سبعين عامًا؟

ربما لأن قيمة الأحداث الكبرى لا تُقاس بما أحدثته لحظة وقوعها، وإنما بما تركته من أفكار استطاعت أن تصمد أمام اختبار الزمن، وأن تتحول إلى مؤسسات وسياسات تمس حياة الناس.

والإنصاف يقتضي أن نُقر بأن مصر قبل ثورة يوليو لم تكن تفتقر إلى مؤسسات الدولة، فقد كانت تمتلك جهازًا إداريًا، وقضاءً، وجامعات، وهيئات عامة، وتنظيمًا للإدارة المحلية يتناسب مع ظروف ذلك العصر. لكن ما أحدثته الثورة كان تحولًا في فلسفة عمل كثير من هذه المؤسسات، بحيث أصبح الهدف ليس مجرد وجود المؤسسة، بل اتساع دورها الاجتماعي والتنموي، ووصول خدماتها إلى شرائح أوسع من المواطنين.

ولعل الإدارة المحلية تقدم نموذجًا واضحًا لفهم هذا التحول. فالدولة، مهما بلغت قوة مؤسساتها المركزية، لا يلمسها المواطن إلا من خلال مؤسساتها المحلية. هناك، في القرية والمدينة والحي، تتكون الصورة الحقيقية للدولة، وهناك ينجح أي مشروع للتنمية أو يتعثر.

ومن هذا المنطلق، اتجهت الدولة إلى تطوير دور الإدارة المحلية، وإلى تقريب الخدمات من المواطنين، والاهتمام بالريف باعتباره شريكًا في عملية التنمية، وظهرت تجارب مثل الوحدات المحلية المجمعة، التي جسدت في حينها فكرة جمع عدد من الخدمات في مكان واحد، لتيسير حصول المواطن عليها، في خطوة عكست فهمًا بأن التنمية الحقيقية تبدأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان.

ورغم أن العقود التالية شهدت تغيرات سياسية واقتصادية وإدارية كبيرة، فإن الفكرة بقيت حاضرة، وإن اختلفت أدوات تنفيذها. فما زالت كفاءة الإدارة المحلية، وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، أحد أهم معايير نجاح الدولة، لأن المواطن لا يقيم أداءها من خلال ما يُعلن من خطط، وإنما من خلال جودة الخدمات التي يتلقاها في حياته اليومية.

وهنا تتجلى قيمة التجارب التاريخية؛ فليست العبرة بأن تبقى كما هي، وإنما بأن تظل قادرة على الإلهام والتطوير. فالأفكار التي تنجح في خدمة المجتمع لا تتوقف عند زمن معين، بل تتجدد، وتتطور أدواتها، وتتكيف مع احتياجات كل مرحلة.

ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل ثورة 23 يوليو حاضرة حتى اليوم. ليس لأنها أنهت مرحلة وبدأت أخرى فحسب، بل لأنها فتحت نقاشًا ما زلنا نعيشه حول دور الدولة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، وكفاءة المؤسسات، وكيف تصل الخدمات إلى كل مواطن، في كل قرية ومدينة.

إن قراءة التاريخ لا تكون بتمجيده أو بإدانته، وإنما بفهمه. فالأحداث يصنعها أصحابها، أما قيمتها الحقيقية فلا يكشفها إلا الزمن، عندما تتحول الأفكار إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خدمات، والخدمات إلى حياة أفضل للمواطن. وربما لهذا السبب، وبعد أكثر من سبعين عامًا، لا تزال ثورة 23 يوليو حاضرة في الذاكرة المصرية، باعتبارها تجربة تستحق القراءة، لا للتوقف عندها، وإنما لاستخلاص ما يعيننا على بناء المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى