مقالات

د. رضا فرحات يكتب الشباب وحماية الوطن.. وعي يصون الحاضر ويبني المستقبل

 

يمثل الشباب الثروة الحقيقية للأوطان، والقوة القادرة على حماية مكتسباتها وصناعة مستقبلها، فهم الحلقة التي تصل بين خبرات الماضي وطموحات الغد، والطاقة التي تتجدد بها المجتمعات وتواجه التحديات المتغيرة والحفاظ على الوطن مسؤولية تتجاوز حدود الشعارات والكلمات، لتصبح ممارسة يومية تقوم على الوعي والانتماء والعمل واحترام القانون، والإدراك العميق بأن استقرار الدولة ومؤسساتها يمثلان الأساس الذي تنطلق منه جهود التنمية وتحقيق تطلعات المواطنين.

وتتعدد صور الدور الوطني للشباب وتمتد إلى ميادين العمل والإنتاج والتعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والتطوع والمشاركة المجتمعية، الشاب الذي يتقن عمله، ويطور مهاراته، ويحترم حقوق الآخرين، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويشارك في خدمة مجتمعه، يؤدي دورا حقيقيا في حماية وطنه وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات، فالأوطان لا تصان بالتضحيات وحدها، وإنما تبنى أيضا بالجهد المتواصل، والإنتاج، والالتزام، والقدرة على تحويل الأفكار إلى إنجازات ملموسة.

وفي عصر تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه الأخبار بالمعلومات المضللة، تزداد أهمية الوعي لدى الشباب، باعتباره خط الدفاع الأول عن المجتمع في مواجهة الشائعات ومحاولات بث الفرقة وإضعاف الثقة بين المواطنين، المسؤولية الوطنية تفرض التحقق من المعلومات قبل تداولها، والتمييز بين الحقيقة والرأي، والاحتكام إلى المصادر الموثوقة، وعدم الانسياق وراء محتوى يستهدف إثارة الخوف أو الكراهية أو الانقسام كما أن حماية الوطن تقتضي امتلاك عقل نقدي قادر على الفهم والتحليل، ومناقشة القضايا العامة بموضوعية، وتقديم الاختلاف في الرأي باعتباره جزءا طبيعيا من الحياة المجتمعية، ما دام قائمًا على الحوار واحترام القانون.

وتبدأ تنمية هذا الوعي من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية والشبابية، التي يقع على عاتقها دور مهم في بناء شخصية قادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة الإيجابية كما أن تمكين الشباب من فرص التعليم والتدريب والعمل والمشاركة في الشأن العام يمنح الانتماء مضمونا عمليا، ويحول الطاقات الشابة إلى قوة فاعلة في مسيرة التنمية، الشباب يحتاجون إلى مساحات حقيقية للإبداع والمبادرة، وإلى بيئة تقدر الكفاءة وتفتح المجال أمام الأفكار الجديدة، بما يساعدهم على اكتشاف قدراتهم وتوظيفها لخدمة المجتمع.

وتبقى العلاقة بين الشباب والوطن علاقة متبادلة تقوم على المسؤولية والفرص؛ فكما يتحمل الشباب واجب الحفاظ على مقدرات الدولة ووحدتها واستقرارها، فإن الاستثمار في قدراتهم وتوسيع مشاركتهم يمثلان استثمارا مباشرا في مستقبل الوطن ومن هنا تبرز أهمية الحوار بين الأجيال، والاستماع إلى تطلعات الشباب، وإشراكهم في صياغة الحلول للقضايا التي تمس حياتهم، حتى يشعروا بأنهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لنتائجه.

إن حماية الوطن تبدأ من الإنسان الواعي الذي يدرك قيمة الدولة ومؤسساتها، ويؤمن بأن قوة المجتمع تكمن في تماسكه وقدرته على العمل المشترك، وأن الاختلاف لا يتحول إلى انقسام ما دامت المصلحة العامة حاضرة، والشباب، بما يمتلكونه من طاقة وطموح وقدرة على الابتكار، قادرون على الإسهام في بناء وطن أكثر قوة وتقدما، حين يقترن الحماس بالمعرفة، والانتماء بالعمل، والطموح بالمسؤولية، الوطن الذي يحافظ شبابه على وعيهم، ويطورون قدراتهم، ويشاركون في بنائه بإخلاص وكفاءة، يمتلك مقومات الاستمرار والتقدم ومواجهة تحديات المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى