محافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق يكتب لـ “شبان ترند”: حياة كريمة.. تنمية تصنع المستقبل

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
خبير الإدارة المحلية
على مدى عقود طويلة، ظل تطوير الريف المصري هدفا استراتيجيا ، تصطدم محاولاته بتراكمات تاريخية من ضعف البنية الأساسية، وتشتت الجهود التنموية، وتعدد الجهات المنفذة دون تنسيق كاف، وبدت الفجوة بين الريف والحضر وكأنها إحدى أكثر القضايا تعقيدا في معادلة التنمية الوطنية، حتى جاءت مبادرة «حياة كريمة» لتعيد صياغة المشهد بالكامل، وتنقل هذا الملف من خانة الطموحات الصعبة إلى نطاق التنفيذ الفعلي على الأرض.
لم تكن «حياة كريمة» مجرد تدخل تنموي تقليدي أو حزمة مشروعات خدمية متفرقة، بل جاءت كتصور استراتيجي شامل يستند إلى فلسفة واضحة: التنمية لا تتحقق عبر تحسين عنصر واحد، وإنما عبر إعادة بناء البيئة المعيشية للإنسان بشكل متكامل، لذلك استهدفت المبادرة معالجة جذور التحديات في القرى المصرية، بدءا من البنية التحتية الأساسية، وصولا إلى الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، بما يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على أسس أكثر توازنا وفاعلية.
على المستوى الخدمي، شهدت القرى المستهدفة طفرة غير مسبوقة في مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب تطوير شبكات الطرق والكباري الداخلية التي أعادت ربط الريف بالمراكز الحضرية، وفتحت آفاقا جديدة للحركة الاقتصادية والاجتماعية كما امتد التطوير ليشمل قطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الإنسان، وليس مجرد خدمات مساندة، وكل هذه التدخلات لم تكن تحسينات شكلية، بل إعادة تأسيس للبنية الأساسية التي طالما عانت من التهميش.
غير أن القيمة الأعمق لمبادرة «حياة كريمة» لا تتوقف عند حدود الإنشاءات أو الأرقام، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم «الكرامة الإنسانية» ذاته في الريف المصري، المواطن لم يعد متلقيا سلبيا للخدمة، بل أصبح جزءا من عملية التنمية، وشريكا فيها.د ومن هنا جاءت برامج التمكين الاقتصادي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتدريب المهني، وتمكين المرأة والشباب، كأدوات لتحويل الطاقة السكانية إلى قوة إنتاجية فاعلة، قادرة على خلق قيمة مضافة داخل المجتمع المحلي.
إن هذا التوجه ساهم في إحداث تحول نوعي في البنية الاجتماعية داخل القرى، حيث لم تعد التنمية مرتبطة فقط بتحسين الظروف المعيشية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتغيير الثقافة السائدة تجاه العمل والإنتاج والمبادرة الفردية وهو ما يعكس انتقال المبادرة من كونها مشروعا خدميا إلى كونها مشروعا لإعادة بناء الوعي التنموي.
مبادرة «حياة كريمة» نجحت في تجاوز العديد من التحديات التقليدية المرتبطة بالمشروعات القومية، من خلال تبني نموذج حوكمة أكثر مرونة وكفاءة، يعتمد على التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتفعيل دور المتابعة الميدانية، واستخدام أدوات الرقابة الرقمية، بما يضمن رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق أعلى معدلات الإنجاز، وهذا النموذج ساعد في تقليص الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، وهي إحدى الإشكاليات التاريخية في مشروعات التنمية في مصر، كما تعاملت المبادرة بواقعية مع تعقيدات الواقع المحلي، سواء في ما يتعلق بطبيعة بعض المناطق الجغرافية، أو كثافة الاحتياجات، أو تحديات الاستدامة بعد التنفيذ، وهو ما أدى إلى تطوير خبرات مؤسسية جديدة داخل أجهزة الدولة، أكثر قدرة على إدارة المشروعات المتكاملة واسعة النطاق.
إن الأثر الحقيقي لمبادرة «حياة كريمة» لا يقاس فقط بعدد المشروعات المنفذة، بل يقاس بمدى التحول في جودة الحياة داخل القرى المصرية، وتراجع معدلات الهجرة الداخلية العشوائية، وارتفاع مستوى الرضا المجتمعي، وبداية تشكل وعي جديد لدى المواطن بأن التنمية ليست وعدًا مؤجلًا، بل عملية مستمرة قابلة للتحقق.
وفي المحصلة، فإن مبادرة «حياة كريمة» أعادت صياغة فلسفة التنمية ذاتها ولم تكتف بإعادة تشكيل الريف المصري عمرانيا وخدميا وذلك من خلال الانتقال من منطق التدخلات الجزئية إلى منطق التنمية المتكاملة وهو ما يجعلها تجربة تستحق الدراسة والتقييم المستمر، ليس فقط على المستوى المحلي، بل كنموذج تنموي يمكن الاستفادة منه في سياقات إقليمية مشابهة.
وختاما، فإن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية، واستدامة هذا الإنجاز يتطلب استمرار التطوير، وتعميق الشراكة المجتمعية، وربط ما تم إنجازه برؤية مصر 2030، لضمان أن تظل «حياة كريمة» مشروعا حيا متجددا، لا مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل مسارا طويلا لإعادة بناء الإنسان والمكان معا.