معارك لا ترى

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
في عصر أصبحت فيه الشائعة تنتشر في ثوان، والصورة قابلة للتزييف، والمعلومة المجتزأة قادرة على صناعة انطباع مضلل، أصبحت معركة الوعي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، ومسؤولية مشتركة تفرض على كل مواطن أن يتوقف قبل تصديق ما ينشر، وأن يتحقق قبل إعادة التداول، وأن يدرك أن الكلمة غير المسؤولة قد تتحول إلى أداة للإضرار بالمصلحة الوطنية.
تبدأ معركة الوعي عندما يصبح المواطن قادرا على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد المسؤول ومحاولات بث الإحباط، وبين الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر والسعي إلى هز الثقة في مؤسسات الدولة، الدول لا تواجه التحديات بالسلاح والقدرات الاقتصادية وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى مجتمع يمتلك من الوعي ما يحميه من التضليل، ومن الفهم ما يمكنه من قراءة الأحداث في سياقاتها الصحيحة، ومن الثقة ما يساعده على تجاوز الأزمات دون أن يفقد توازنه أو يستسلم للخوف.
إن تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تستحق قراءة تتجاوز حدود المناسبة، لتصل إلى جوهر التحدي الذي تواجهه الدولة المصرية في مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الإقليمية مع الضغوط الاقتصادية، وتتحول فيها المعلومات إلى أداة للتأثير في اتجاهات الرأي العام، وتصبح قدرة المجتمع على الفهم والتحليل ضرورة لحماية استقراره ومصالحه الوطنية.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب الحديثة لم تعد محصورة في ميادين القتال، وأن استهداف الدول قد يبدأ بمحاولة التأثير في عقول مواطنيها، وزعزعة ثقتهم في قدرتهم على مواجهة التحديات، وإغراق المجال العام بسيل من الأخبار المضللة والتفسيرات المبتورة التي تدفع إلى القلق والتشكيك، وفي هذه البيئة، لا تكون الشائعة مجرد معلومة كاذبة يجري تداولها، بل قد تتحول إلى وسيلة لإرباك المجتمع، وإضعاف قدرته على ترتيب أولوياته، ودفع أفراده إلى إصدار أحكام متسرعة على قضايا تمس الأمن القومي ومستقبل الدولة.
أهمية الوعي لا تقتصر على المؤسسات الرسمية أو النخب السياسية والإعلامية، وإنما تبدأ من كل مواطن يستخدم هاتفه، ويتابع الأخبار، ويتفاعل مع ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، المشاركة في تداول معلومة غير موثوقة قد تجعل صاحبها، دون قصد، جزءا من عملية تضليل أوسع، بينما يمثل التحقق من مصدر الخبر، والبحث عن سياقه، والتريث قبل إعادة نشره، سلوكا بسيطا في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في حماية المجال العام من الفوضى المعلوماتية.
وتتضاعف أهمية هذه القضية في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات واضطرابات وتغيرات متسارعة، تفرض على مصر حسابات دقيقة لحماية أمنها القومي والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، وفي مثل هذه الظروف، يصبح فهم طبيعة التحديات الإقليمية، وإدراك انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد والطاقة والتجارة وحركة الملاحة، ضرورة لا ترفا فكريا كما أن متابعة الأحداث من خلال عناوين مثيرة أو مقاطع مجتزأة قد تقود إلى استنتاجات خاطئة، بينما تساعد المعرفة المتكاملة على فهم ما تملكه الدولة من خيارات، وما تواجهه من قيود، وما تتطلبه المرحلة من قرارات محسوبة.
وتقدم ذكرى انتصارات أكتوبر درسا مهما حيث استطاع المصريون تحويل آثار الهزيمة إلى دافع لاستعادة القدرة والثقة، من خلال إعداد طويل، وعمل منظم، وإرادة وطنية جمعت مؤسسات الدولة والشعب حول هدف واضح، ولم يكن النصر نتيجة لحظة عابرة، بل ثمرة تخطيط واستعداد وتماسك، وإيمان بإمكانية تغيير الواقع مهما بدت الصعوبات كبيرة، وهذه هي القيمة التي ينبغي أن تنتقل من ذاكرة أكتوبر إلى حاضرنا: أن مواجهة التحديات تبدأ بفهمها، وأن تجاوز الأزمات يحتاج إلى الصبر والعمل، وأن الثقة بالنفس وبقدرة الوطن لا تعني إنكار الصعوبات، بل تعني التعامل معها بوعي وإرادة.
ومن المهم كذلك أن ندرك أن الوعي يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، التي تعلم أبناءها التفكير قبل التصديق، وتمتد إلى المدرسة والجامعة، حيث تتشكل مهارات البحث والتحليل، وتصل إلى الإعلام الذي تقع على عاتقه مسؤولية تقديم المعلومات الدقيقة، وتفسير الأحداث، والفصل بين الخبر والرأي، وتجنب الانسياق وراء الإثارة على حساب الحقيقة، كما تتحمل الأحزاب والقوى السياسية مسؤولية تطوير خطاب عام جاد، يفتح المجال أمام الحوار، ويقدم للمواطن معرفة تساعده على فهم قضاياه بدلا من الاكتفاء بالشعارات أو المزايدات.
التطورات التكنولوجية تفرض تحديا إضافيا، مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت تتيح إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية مزيفة يصعب على غير المتخصص اكتشافها من النظرة الأولى، وأمام هذا التطور، لم يعد كافيا أن يسأل المواطن عما إذا كان الخبر قد انتشر على نطاق واسع، بل أصبح عليه أن يسأل عن مصدره الأصلي، وتاريخ نشره، ومدى توافقه مع المعلومات المتاحة من مصادر موثوقة، وأن سرعة انتشار المعلومة لا تعني صحتها، وكثرة المشاركات لا تمنحها المصداقية، والمقطع المصور لم يعد دليلا قاطعا ما لم يخضع للتحقق.
وفي تقديري، فإن بناء الوعي الوطني يتطلب أيضا أن تكون هناك صلة واضحة بين الرسائل التي توجهها الدولة إلى المواطنين والواقع الذي يعيشونه يوميا، المواطن يحتاج إلى معلومات دقيقة، وشرح مفهوم للقرارات، ومصارحة بالتحديات، ومؤشرات ملموسة على تحسن الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة، وكلما اتسعت مساحة الشفافية، وتوافرت قنوات فعالة للاستماع إلى الناس والاستجابة لمطالبهم، تراجعت المساحة التي يمكن أن تستغلها الشائعات، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين النقد الذي يستهدف الإصلاح والمعلومات التي تسعى إلى التضليل.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها من تحذيرات الرئيس خلال الندوة التثقيفية هي أن حماية الدولة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب مواطنا واعيا، وتعليما يبني العقل النقدي، وحياة سياسية قادرة على الحوار وتقديم البدائل، الأمن القومي لا ينفصل عن وعي المجتمع، والاستقرار لا يستقيم دون الثقة المتبادلة، والانتماء الحقيقي لا يقوم على ترديد الشعارات، وإنما على المعرفة والمشاركة وتحمل المسؤولية.
لقد علمتنا أكتوبر أن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير المعادلات، وأن أصعب التحديات يمكن تجاوزها حين تتوافر الرؤية والاستعداد ووحدة الهدف. واليوم، تتجدد الحاجة إلى روح النصر في ميدان آخر، هو ميدان الوعي؛ حيث تكون الكلمة مسؤولية، والمعلومة أمانة، والتحقق سلوكا يوميا، والاختلاف فرصة للفهم لا مدخلا للانقسام.
يظل المواطن الواعي هو خط الدفاع الأول عن وطنه، لأنه يعرف أن حماية مصر تبدأ من إدراك حقيقة ما يجري حوله، وتنمو بالعمل والإنتاج والمشاركة، وتكتمل بالقدرة على التمسك بالمصلحة الوطنية دون التخلي عن حقه في السؤال والنقد والمطالبة بالإصلاح.