مقالات

من يوليو إلى الجمهورية الجديدة.. رحلة وطن يصنع مستقبله

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
خبير الإدارة المحلية

ليست كل الذكريات مجرد صفحات في كتاب التاريخ، ولكن هناك لحظات تمثل محطات فاصلة في مسيرة الأمم، تبقى حاضرة في الوعي العام، لأنها لم ترتبط فقط بحدث وقع في الماضي، وإنما بما تركته من أثر في شكل الدولة ومسارها، وتأتي ثورة الثالث والعشرين من يوليو في مقدمة هذه المحطات، باعتبارها لحظة فارقة أعادت صياغة علاقة المصريين بوطنهم، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من بناء الدولة الوطنية.

مع حلول الذكرى ال74 لثورة 23 يوليو لا يكون استدعائها بأنه مجرد عودة إلى زمن مضى، بل هو قراءة لمسيرة ممتدة بدأت منذ عقود وما زالت فصولها تتواصل حتى اليوم، الدول الكبرى لا تبنى بلحظة واحدة، وإنما عبر تراكم التجارب، وتتابع الأجيال، وقدرة كل مرحلة على إضافة جديد إلى مسار الوطن.

عندما تحرك ضباط ثورة يوليو عام 1952، كانت مصر أمام تحديات كبرى، وكان الهدف الأساسي هو استعادة القرار الوطني، وإنهاء حقبة من الهيمنة الخارجية، وإطلاق مشروع دولة حديثة تقوم على الاستقلال والعدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات قادرة على حماية مصالح المصريين فكانت الثورة تعبيرا عن إرادة وطنية أرادت أن تنتقل بمصر من واقع فرضته ظروف تاريخية صعبة إلى مرحلة تمتلك فيها أدوات صناعة مستقبلها.

لكن مفهوم بناء الدولة لا يتوقف عند استعادة القرار السياسي، فكل عصر يفرض معاركه الخاصة وإذا كانت معركة الأمس هي التحرر والاستقلال، فإن معركة اليوم تتمثل في تحقيق التنمية الشاملة، وتعزيز القدرة الاقتصادية، وتطوير البنية الأساسية، والحفاظ على تماسك الدولة في إقليم يموج بالأزمات والتحديات.

ومن هنا تأتي أهمية مفهوم “الجمهورية الجديدة”، باعتبارها امتدادا لمسيرة الدولة المصرية وليست قطيعة مع تاريخها، فهي تعكس محاولة لإعادة صياغة أدوات الدولة بما يتناسب مع متطلبات العصر، من خلال التوسع في المدن الجديدة، وتطوير شبكات النقل، والتحول الرقمي، ودعم قطاعات الإنتاج، والاستثمار في الإنسان باعتباره محور عملية التنمية.

الفرق بين يوليو 1952 ومصر اليوم ليس في الهدف، وإنما في طبيعة التحديات والأدوات، في خمسينيات القرن الماضي كانت إقامة المصانع الكبرى والمشروعات القومية عنوانا للتقدم، بينما أصبحت التكنولوجيا والبنية التحتية الحديثة والاقتصاد المعرفي والطاقة الجديدة عناوين أساسية لمرحلة مختلفة ومع ذلك يظل القاسم المشترك هو السعي لبناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.

إن قراءة التاريخ المصري تؤكد أن الدولة لم تتوقف يوما عن إعادة بناء نفسها، فكل مرحلة تركت إرثا استندت إليه المرحلة التالية وكما شكلت ثورة يوليو نقطة تحول في تأسيس الدولة الوطنية الحديثة، فإن الجمهورية الجديدة تمثل محاولة لاستكمال مسار التطوير عبر أدوات جديدة تستجيب لتحولات العالم ومتطلبات المستقبل.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات، تتأكد أهمية وجود دولة تمتلك مؤسسات راسخة وقادرة على التعامل مع المتغيرات، الدولة الوطنية لم تعد مجرد إطار سياسي، بل أصبحت ضمانة للاستقرار والتنمية وحماية مقدرات الشعوب وكل مشروع تنموي ينفذ اليوم، سواء في البنية الأساسية أو التعليم أو الصحة أو الإسكان، يمثل جزءا من معركة أكبر هدفها تعزيز قدرة الدولة على الاستمرار والتقدم.

إن ذكرى ثورة يوليو لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مناسبة لاستعادة الماضي فقط، وإنما باعتبارها فرصة لفهم كيف تصنع الدول مساراتها التاريخية، الأوطان التي تدرك قيمة تجربتها، وتتعلم من مراحلها المختلفة، تكون أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

وبين يوليو والجمهورية الجديدة تظل هناك حقيقة واحدة ثابتة؛ أن مصر دولة صاحبة تاريخ طويل من القدرة على التجدد، وأن بناء الوطن ليس مشروع جيل واحد، بل رحلة متصلة تشارك فيها الأجيال المتعاقبة، الثورة كانت بداية مرحلة، والجمهورية الجديدة فصل جديد في قصة دولة لا تتوقف عن البحث عن القوة والاستقرار والتنمية.

وهكذا تبقى رسالة الثالث والعشرين من يوليو ممتدة عبر الزمن: أن قيمة الأوطان لا تقاس فقط بما حققته في الماضي، وإنما بقدرتها على تحويل تاريخها إلى طاقة تدفعها نحو مستقبل أكثر تقدما وثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى