نصر أكتوبر: إرادة شعب وذاكرة وطن

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
يعود بنا الزمن إلى يوم خالد من أيام التاريخ، يوم صنعت فيه مصر لحظة فارقة استعادت خلالها ثقتها بنفسها، واستعاد شعبها كرامته، وعادت الأرض إلى أصحابها بإرادة وطنية لا تعرف الانكسار.
لم تكن مصر تخوض مجرد معركة عسكرية في السادس من أكتوبر عام 1973 لاستعادة أرض سلبت بالقوة، بل كانت تخوض معركة وجودية لاستعادة الكرامة والإرادة، كان ذلك اليوم علامة فارقة في تاريخ الأمة، حينما أثبت المصريون للعالم أجمع أن إرادتهم قادرة على صنع المستحيل، وأن الانكسار ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية لانتصار أعظم .
نصر أكتوبر لم يكن وليد لحظة، ولم يكن مجرد عبور لقناة، بل كان تتويجا لإعداد طويل، وتخطيط دقيق، وإرادة سياسية وعسكرية وشعبية توحدت خلف هدف واحد: استعادة الأرض والعرض والكرامة، لقد تلاحم الجيش والشعب في ملحمة بطولية فريدة، أثبتت أن المصريين عندما يتوحدون خلف قضية وطنية، لا يمكن لقوة في العالم أن تنتصر عليهم ، هذا التلاحم بين القوات المسلحة والشعب المصري لم يكن مجرد شعار، بل كان حقيقة عاشها الوطن، حيث كان الشعب هو الدرع الذي حافظ على الجبهة الداخلية وحمى الروح الوطنية من الانكسار .
ما تحقق في أكتوبر كان انتصارا شاملا لإرادة الأمة ووحدتها، لم يكن انتصارا على العدو فحسب، بل كان انتصارا على اليأس والإحباط، وتأكيدا على أن الإرادة المصرية لا تعرف المستحيل، هذا الدرس التاريخي يجب أن يظل حاضرا في وجداننا جميعا، فهو ليس مجرد ذكرى نستعيدها في مناسبة سنوية، بل هو مصدر إلهام دائم لنا في مواجهة التحديات الراهنة .
واليوم، ونحن نحتفل بهذه الذكرى الخالدة، نجد أنفسنا أمام معركة جديدة لا تقل شراسة عن معركة التحرير، إنها معركة البناء والتنمية، مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تخوض معركة البناء والتطوير بنفس العزيمة التي خاض بها أبطالنا معركة التحرير، من أجل إقامة دولة قوية حديثة تقوم على العلم والعمل، وتستمد من بطولات الماضي قوة تدفعها نحو المستقبل بثبات وثقة .
إن روح أكتوبر تتجدد اليوم في معركة البناء والتنمية، حيث تخوض الدولة المصرية معركة شاملة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والقوات المسلحة اليوم، كما كانت في أكتوبر، هي درع الوطن وسنده في مسيرة البناء والتنمية، إن قوة الردع وحماية الأمن القومي لا تتعارضان مع التمسك بالسلام، وإنما توفران البيئة التي تجعل السلام خيارا ممكنا ومستداما .
وما أحوجنا اليوم إلى استلهام روح أكتوبر في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة، مصر تمارس سياساتها بثبات وواقعية، وتوازن بين مقتضيات الردع العسكري ومتطلبات الاستقرار والتنمية، وتتعامل مع التحديات المحيطة بها بوعي عميق وإدراك دقيق لطبيعة التهديدات، و بناء الأوطان لا يتم بالحلول المؤقتة، وإنما بالعمل المتراكم وتحمل المسؤولية وامتلاك رؤية طويلة المدى .
وذكرى أكتوبر ستبقى رمزا للعزة الوطنية ومصدر إلهام للأجيال الجديدة، ودليلا على أن مصر قادرة، بوحدتها وقيادتها وجيشها وشعبها، على تجاوز التحديات ومواصلة مسيرة العطاء والبناء، وأن ما تنعم به البلاد اليوم من استقرار وازدهار هو ثمرة تضحيات رجال القوات المسلحة عبر العقود، وجميعنا مطالبون بالحفاظ على هذا المكتسب، وبمواصلة العمل من أجل رفعة الوطن .
لقد علمنا نصر أكتوبر أن الإرادة الشعبية هي المحرك الأول والقوي لتحقيق الإنجازات ومواجهة الأزمات، وأن النصر لا يأتي إلا بالتضحية والعمل المستمر من أجل بناء مستقبل أفضل للأجيال المقبلة، الإرادة المصرية ببساطة لا تعرف المستحيل، وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن يظل حاضرا في وعي كل مصري ومصرية، جيلا بعد جيل.
وهكذا يصبح أكتوبر أكثر من نصر مضى؛ يصبح قيمة وطنية حية، وذاكرة تصنع الوعي، ووعيا يحمي الوطن ويقود مسيرته إلى المستقبل.