شرايين تصنع النهضة كيف تحول البنية التحتية موقع مصر إلى قوة اقتصادية؟

شرايين تصنع النهضة
اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
تاريخ النهضات الاقتصادية يخبرنا أن الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تعتمد على عنصر واحد، وإنما أحسنت توظيف ما تمتلكه من مقومات جغرافية وبشرية وإنتاجية، وربطت بينها من خلال رؤية تنموية متكاملة، وكانت البنية التحتية دائما أحد أهم مفاتيح التحول الاقتصادي، لأنها تفتح المجال أمام الاستثمار، وتيسر حركة الأفراد والبضائع، وتربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التوسع والمنافسة و ما شهدته مصر من تطور في شبكات الطرق والموانئ والسكك الحديدية والنقل الحديث يمثل قاعدة مهمة يمكن الانطلاق منها نحو آفاق أوسع من النمو والإنتاج.
التجربة الأوروبية تقدم شواهد مهمة على الدور الذي تلعبه البنية الأساسية في صناعة المكانة الاقتصادية للدول، فقد استطاعت دول مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وسويسرا والنمسا الاستفادة من مواقعها الجغرافية وتنوع مواردها، من خلال إنشاء شبكات متطورة ومترابطة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات وأسهم هذا الترابط في تسهيل انتقال المنتجات بين المناطق المختلفة، وفتح الأسواق أمام الصناعات الوطنية، وتعزيز التكامل التجاري، حتى أصبحت البنية اللوجستية أحد العناصر الرئيسية في قوة الاقتصاد الأوروبي وقدرته على النفاذ إلى الأسواق العالمية.
التجربة هنا تكشف عن أهمية الجمع بين الإمكانات الطبيعية والاستثمار في البنية الأساسية والقدرة الإنتاجية، الموقع الجغرافي المتميز يمثل فرصة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى تخطيط واستثمار وتنظيم، والموانئ تكتسب أهميتها من قدرتها على ربط المنتجين بالأسواق العالمية، والطرق والسكك الحديدية تفتح المجال أمام حركة الخامات والسلع، بينما تمنح المطارات وشبكات النقل الحديثة الاقتصاد مزيدا من الاتصال والانفتاح، وعندما تعمل هذه العناصر في إطار واحد، تتضاعف قدرتها على خدمة التنمية وتحقيق عوائد اقتصادية ممتدة.
في مصر، تمثل مشروعات البنية التحتية التي شهدتها السنوات الماضية خطوة مهمة في بناء مقومات الدولة الحديثة و ساعد التوسع في شبكة الطرق والمحاور على إعادة ربط مناطق الجمهورية، وتعزيز الاتصال بين المدن والمراكز الإنتاجية، كما أسهم تطوير الموانئ ووسائل النقل والخدمات اللوجستية في دعم مكانة مصر كمركز إقليمي للتجارة والنقل، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، ويطل على ممرات بحرية بالغة الأهمية لحركة التجارة الدولية.
وتتجاوز أهمية هذه المشروعات حدود تحسين حركة الانتقال، فهي تهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وتمنح المناطق الصناعية والزراعية والعمرانية فرصا أكبر للنمو، وتساعد على توسيع نطاق النشاط الاقتصادي خارج المراكز التقليدية كما أن تطوير منظومة النقل يمثل عاملا مؤثرا في خفض تكلفة تداول المنتجات، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتوفير الوقت، وهي عناصر تنعكس بصورة مباشرة على تنافسية الاقتصاد وقدرته على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
ومن هذه القاعدة تتسع أمام الاقتصاد المصري فرصة مهمة لتعظيم الاستفادة من الأصول والبنية الأساسية، من خلال التوسع في الأنشطة الإنتاجية والصناعية والزراعية، وربطها بصورة أكثر تكاملا بشبكات النقل والموانئ، المطلوب هو أن تتكامل المناطق الصناعية مع المراكز اللوجستية، وأن تستفيد المناطق الزراعية من قربها من الطرق ومنافذ التصدير، وأن تتطور الصناعات الغذائية ومشروعات التصنيع الزراعي بما يسمح بتحويل المحاصيل والمواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
يمثل تنوع الإنتاج أحد أهم عناصر بناء اقتصاد قوي وقادر على مواجهة المتغيرات العالمية، ومصر تمتلك فرصا واعدة في قطاعات عديدة، من بينها الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والمنسوجات والصناعات الكيماوية، إلى جانب مجالات الطاقة والتكنولوجيا والصناعات المرتبطة بالزراعة، وتوسيع قاعدة هذه القطاعات من شأنه أن يعزز قدرة المنتج المصري على تلبية احتياجات السوق المحلية، ويفتح أمامه أسواقا جديدة، ويرفع مساهمة الصادرات في النشاط الاقتصادي.
وهنا تبرز أهمية التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، فالدولة بما تمتلكه من قدرة على التخطيط وتطوير البنية الأساسية وتهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية، توفر الإطار اللازم للنمو، بينما يمثل القطاع الخاص محركا أساسيا للاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى مساحة أكبر داخل هذه المنظومة، باعتبارها شريكا مهما للصناعات الكبرى، ومصدرا لتوفير مستلزمات الإنتاج والخدمات والعمالة، وعنصرا رئيسيا في توسيع قاعدة الاقتصاد.
وتحتاج هذه المرحلة كذلك إلى تعزيز الصلة بين التعليم الفني والتدريب واحتياجات القطاعات الإنتاجية، حتى تتوافر الكوادر المؤهلة القادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، ورفع كفاءة التشغيل، وتحسين جودة المنتجات، البنية الأساسية المادية تكتمل قيمتها بالاستثمار في الإنسان، والاقتصادات الأكثر قدرة على المنافسة هي التي تجمع بين جودة البنية التحتية وكفاءة العمالة والتطور التكنولوجي والقدرة على الابتكار.
وتنعكس هذه الرؤية في النهاية على حياة المواطنين بصورة مباشرة، من خلال زيادة فرص العمل، وتوسيع قاعدة الدخول، وتحسين توافر السلع، وتعزيز القدرة على توفير احتياجات السوق، إلى جانب زيادة الصادرات وتوفير موارد أكثر استدامة للنمو، فكل مشروع إنتاجي جديد يمثل فرصة اقتصادية واجتماعية، وكل توسع في الصناعة والزراعة يضيف إلى قدرة الدولة على تحقيق التنمية المتوازنة ورفع مستوى المعيشة.
إن ما تحقق في مجال البنية التحتية يضع أمام مصر فرصا واسعة للبناء والتوسع، ويمنحها مقومات مهمة للانتقال إلى مستويات أكثر تقدما من النشاط الاقتصادي، فالتنمية عملية متصلة تتراكم فيها الإنجازات، وتفتح كل مرحلة الطريق أمام مرحلة جديدة، والبنية الأساسية القوية تمثل إحدى أهم الركائز التي يمكن أن تنطلق منها طاقات الإنتاج والاستثمار والتصدير.
والرهان خلال السنوات المقبلة هو أن تتكامل هذه المقومات في مشروع اقتصادي واسع يجعل من الموقع الجغرافي ميزة تنافسية، ومن شبكات النقل والموانئ روافد لحركة التجارة، ومن الصناعة والزراعة محركات للنمو، ومن الاستثمار في الإنسان ضمانة لاستدامة النتائج، وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج، ازدادت قدرة مصر على تحويل إمكاناتها إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وتعزيز حضورها في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وبناء مستقبل تنموي أكثر قوة واستقرارا.