مقالات

*القليوبية 158 عاما.. روح المكان وبهجة المولد النبوي*

اللواء الدكتور رضا فرحات

محافظ القليوبية الأسبق

 

 

قبل أن أكتب هذه الكلمات، وقفت طويلا أتساءل: كيف يمكن للكلمات أن توفي هذا المكان حقه؟ كيف يمكن لحروفٍ معدودة أن تعبر عن مشاعر تراكمت على مر السنين، عن ذكريات لا تمحى، عن حب نما في القلب يوما بعد يوم؟

 

القليوبية ليست مجرد  في خريطة مصر، ليست مجرد مساحة من الأرض تحددها الحدود الإدارية القليوبية هي روح، هي إحساس، هي حكاية تروى من جيل إلى جيل ومنذ أن من الله علي بشرف خدمتها محافظا، وأنا أعتبر نفسي واحدا من أبنائها، أحب ترابها، وأعشق ناسها، وأفتخر بانتمائي إليها

 

واليوم، ونحن نحتفل بالعيد القومي الـ158 لهذه المحافظة العزيزة على قلبي، وتتزامن هذه الذكرى الجميلة مع حلول المولد النبوي الشريف، أجدني مدفوعا بقوة لأن أشارككم بعضا مما في قلبي، ليس كمسؤول سابق، بل كإنسان يحب هذه الأرض ويفخر بأهلها.

 

في مثل هذا اليوم من كل عام، يختلف إيقاع الحياة في القليوبية شوارعها تزداد بهجة، وجوه أبنائها تشرق بالفرحة، كأن هناك ضوءا جديدا يضيء كل زاوية فيها ليس لأن العيد القومي مجرد إجازة من العمل، بل لأنه مناسبة لتجديد الانتماء، لتذكير النفس بأننا جزء من هذا المكان، وأن هذا المكان جزء منا.

 

من بنها عاصمة المحافظة، حيث تلتقي الأصالة بالحداثة، إلى شبرا الخيمة المدينة الصناعية التي لا تنام، حيث تسمع دقات المصانع كأنها نبض متواصل للحياة والانتاج ومن الخانكة التي تحمل في طياتها عبق التاريخ، إلى قليوب وطوخ وكل مدن ومراكز المحافظة، الفرحة واحدة، والبهجة واحدة، والحب واحد.

 

أنا أعرف هذه المدن جيدا، تنقلت في شوارعها، تحدثت مع أبنائها في لقاءات مفتوحة، استمعت إلى شكواهم وآمالهم، كل هذه التفاصيل الصغيرة تركت في قلبي بصمة لا تزول وفي هذا العام، تتضاعف الفرحة لأن العيد القومي صادف ذكرى المولد النبوي، الشوارع تزدان، والأضواء تتلألأ، وأصوات الأناشيد والمدائح النبوية تملأ الأجواء، لتخلق مزيجا عجيبا من الروحانية والبهجة الأطفال يرتدون أجمل ملابسهم، والحلوى تملأ البيوت، والابتسامات تغطي الوجوه إنه مشهد يبعث في النفس الطمأنينة، ويجعل القلب يمتلئ حبا لله ثم لهذا الوطن وهذا المكان الطيب.

 

 

عندما أتذكر سنوات عملي محافظا للقليوبية، تمر أمام عيني صور لا تنسى أتذكر وقفاتي في القرى النائية، حيث ينتظرني الأهالي بوجوه بسيطة لكن عيونهم مليئة بالأمل كانوا يتحدثون عن احتياجاتهم بصوت خافت، وكأنهم يستحيون أن يطلبوا شيئا لكن في عيونهم قرأت الكثير، قرأت الثقة، وقرأت التحدي، وقرأت الحب.

 

أتذكر الليالي التي قضيتها في الاجتماعات مع زملائي بالجهاز التنفيذي، نخطط ونناقش ونتشاور، كيف نقدم خدمة أفضل، كيف نحل مشكلة عالقة، كيف نفتح طريقا مغلقا، كيف ندخل الفرحة على أسرة بسيطة لم تكن تلك مجرد وظيفة، كانت رسالة، وكانت شرفا كبيرا حملته على عاتقي.

 

أتذكر لقاءاتي مع شباب القليوبية، هذا الجيل الواعد المليء بالطاقة والأفكار، الذين ينتظرون الفرصة ليُثبتوا وجودهم، الذين يحلمون بغد أفضل كنت أرى في أعينهم بريق الأمل، وأدرك أن المستقبل بين أيديهم، وأن دورنا أن نصنع لهم الطريق ونزيل العقبات.

 

وأيضا لا أنسى أمهات القليوبية، هؤلاء السيدات العظيمات اللاتي يحملن على أكتافهن أسرا كاملة، يربين الأبناء، يعملن في الحقول والمصانع، ويبتسمن رغم كل الصعوبات كلما تذكرتهن، أزداد يقينا بأن مصر بخير طالما فيها مثل هؤلاء النساء القويات الصابرات.

 

 

القليوبية مكانٌ له طعم خاص فيها رائحة التراب بعد المطر، وفيها دفء العلاقات الإنسانية، وفيها بساطة العيش التي تمنح النفس راحة لا تضاهيها راحة أهلها طيبون، كرماء، مضيافون بابهم مفتوح للجار والغريب، وقلوبهم واسعة تسع الجميع وكثيرا ما كنت أتساءل: ما سر هذا التماسك الاجتماعي في القليوبية؟ لعله الامتداد الطبيعي للأصالة المصرية، لعله التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية التي يربي عليها الآباء أبناءهم، لعله الحب الصادق للأرض والوطن، أظن أن كل هذه العوامل مجتمعة هي ما يصنع هذه الروح الفريدة.

 

حين يصادف عيد القليوبية المولد النبوي، لا يمكن إلا أن أرى في ذلك إشارة جميلة، وكأن الله يبارك لهذه المحافظة يوم عيدها، المولد النبوي هو ذكرى ميلاد خير البشرية، النبي الذي علمنا معنى الرحمة، ومعنى التسامح، ومعنى أن نكون أخوة متحابين.

السريرة.

 

في المولد النبوي، نستذكر سيرة النبي، ونتعلم من أخلاقه وصفاته نتعلم الصدق والأمانة، نتعلم العفو عند المقدرة، نتعلم الصبر على الأذى، نتعلم حب الخير للآخرين، وفي ختام هذه الكلمات، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى كل من عمل معي خلال سنوات خدمتي في القليوبية إلى زملائي في الجهاز التنفيذي الذين كانوا خير عون وسند، وإلى القيادات الشعبية والتنفيذية الذين تعاونا معا من أجل مصلحة المحافظة، وإلى كل مواطن بسيط قابلته واستمعت له، وكلهم كانوا معلمين لي في التواضع وحب الوطن.

 

كما أتوجه بالتهنئة الخالصة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وإلى الحكومة المصرية، راجيًا من الله أن يديم نعمة الأمن والاستقرار على مصرنا الحبيبة، وأن يوفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد، وأخص بالتهنئة أهلي في القليوبية، الأحبة في الله، الذين حملوني فوق رؤوسهم وأكرموا وفادتي أقول لهم: أنتم في قلبي أينما ذهبت، ومحبتكم في روحي لا تزول، وأسأل الله أن يحفظكم جميعًا، وأن يبارك في أبنائكم ونسائكم، وأن يجعل القليوبية دوما منارة للخير والعطاء.

 

العيد القومي ليس مجرد يوم في التقويم، هو فرصة لنستلهم من ماضينا دروسا لمستقبلنا، وفرصة لنكتب معا صفحة جديدة من الإخلاص والعمل والتفاني، القليوبية تستحق منا كل خير، وهي قادرة بعون الله على تحقيق المزيد من الإنجازات التي تليق بتاريخها العريق.

 

فلنعمل جميعا، كل في موقعه، من أجل رفعة هذه المحافظة الغالية لنكون يدا واحدة، قلبا واحدا، نزرع الخير حيثما حللنا، ونبني مستقبلا مشرقا لأبنائنا وأحفادنا.

 

كل عام والقليوبية بخير، وكل عام ومصرنا الحبيبة في عز ورفعة، وكل عام وأنتم بألف خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى