مقالات

تزييف الوعي… الحرب الصامتة

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
خبير الإدارة المحلية

في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، لم تعد الحقيقة هي الأكثر حضورا، بل الأكثر ضياعا، وكل دقيقة تحمل آلاف الأخبار والصور والمقاطع المصورة، لكن القليل منها فقط يستند إلى وقائع موثقة، بينما يختلط الزائف بالحقيقي إلى درجة تجعل التمييز بينهما مهمة شاقة حتى بالنسبة للمتخصصين، هكذا وجد الإنسان نفسه أمام معضلة جديدة؛ ليست معضلة نقص المعرفة، وإنما فائضها، حيث أصبحت كثافة المحتوى وسرعة انتشاره أكبر من قدرة العقل على التحقق والتدقيق.

لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولا جذريا في طبيعة المجال العام، ولم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الوحيد لتشكيل الرأي العام، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة تتداخل فيها الحقيقة مع الزيف، والخبر مع الشائعة، والتحليل مع التضليل، حتى بات المواطن العادي يواجه سيلا متدفقا من المعلومات يصعب عليه التمييز بين الصحيح منها والمفبرك، والأخطر من ذلك أن كثيرا من المتلقين لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن المعلومة التي تؤكد قناعاتهم المسبقة، الأمر الذي يجعل الإنسان أكثر استعدادا لتصديق ما يوافق هواه، حتى وإن افتقد الدليل.

ومن يتأمل ما يجري يوميا على صفحات التواصل الاجتماعي يدرك حجم التحول الذي أصاب بيئة المعلوماتؤ عشرات الأخبار التي تنتشر كل ساعة يتبين لاحقا أنها لا أساس لها من الصحة، ومقاطع مصورة يتم إنتاجها أو تعديلها بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتبدو شديدة الإقناع، وصور يتم إخراجها من سياقاتها الزمنية والجغرافية لتوظيفها في صناعة روايات مضللةؤ لم يعد الكذب مجرد سلوك فردي، وإنما تحول إلى صناعة متكاملة، لها أدواتها وتقنياتها وخبراؤها، تستهدف التأثير في اتجاهات الرأي العام واختبار مستويات الوعي المجتمعي.

ولعل أخطر ما يميز هذه المرحلة أن إنتاج المحتوى الزائف أصبح أكثر سهولة وأقل تكلفة من أي وقت مضى، وبضغطة زر يمكن تصنيع فيديو يبدو حقيقيا، أو تركيب تصريح على لسان شخصية عامة، أو إنتاج صورة يصعب على غير المتخصص اكتشاف زيفها، ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح الفاصل بين الحقيقة والمحاكاة أكثر ضبابية، الأمر الذي يفرض تحديات غير مسبوقة أمام المؤسسات الإعلامية، وأجهزة الدولة، وحتى أمام المواطن نفسه.

وربما يعتقد البعض أن كثيرا مما يتم تداوله اليوم لا يتجاوز حدود السخرية أو البحث عن الإعجابات والمشاهدات، لكن هذه النظرة تتجاهل خطورة ما يتم بناؤه تدريجيا ،الأدوات التي تستخدم اليوم لتحقيق الانتشار السريع يمكن أن تتحول غدا إلى أدوات أكثر خطورة في أوقات الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية وعندما تتزامن الشائعة مع حدث كبير، فإن آثارها قد تتجاوز بكثير آثار أي مواجهة عسكرية تقليدية، لأنها تستهدف الثقة، وتضرب الاستقرار النفسي، وتربك عملية اتخاذ القرار لدى الأفراد والمؤسسات.

لقد أثبتت التجارب الدولية خلال السنوات الأخيرة أن الحروب لم تعد تدار فقط في ميادين القتال، وإنما أيضا عبر الشاشات والهواتف المحمولة ومنصات التواصل وأصبحت المعلومات المضللة جزءا من أدوات الصراع الحديثة، تستخدم لإثارة الانقسام الداخلي، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وإرباك الأسواق، والتأثير في توجهات الناخبين، بل وإحداث اضطرابات اجتماعية قد تكون نتائجها أشد خطورة من نتائج العمليات العسكرية المباشرة ولهذا لم يعد الحديث عن “حروب المعلومات” أو “حروب الإدراك” مجرد توصيف أكاديمي، وإنما أصبح واقعا تعترف به المؤسسات الأمنية والاستراتيجية في مختلف دول العالم.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس انتشار الأكاذيب في حد ذاته، وإنما تحول المجتمع إلى بيئة مستعدة لتصديقها، وعندما يفقد المواطن ثقته في مصادر المعرفة الموثوقة، ويصبح أسيرا للمحتوى العابر غير المدقق، تتراجع قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والدعاية، ويصبح الرأي العام أكثر قابلية للتوجيه والتلاعب وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن تزييف الوعي لا يقتل الأجساد كما تفعل الحروب، وإنما يعيد تشكيل العقول، ويغير القناعات، ويصنع واقعا موازيا قد يكون أكثر تأثيرا من الواقع نفسه.

ومن هنا فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية تشاركية تبدأ من الأسرة التي تغرس قيم التفكير النقدي، وتمر بالمؤسسات التعليمية التي تعيد الاعتبار لمهارات التحليل والتمييز، ولا تنتهي عند وسائل الإعلام التي يقع على عاتقها واجب الالتزام بالمهنية والتدقيق، وتقديم المعلومة الموثقة في مواجهة سيل المحتوى غير المنضبط كما أن منصات التواصل نفسها مطالبة بتحمل مسؤوليات أكبر في الحد من انتشار المحتوى المفبرك، دون الإخلال بحرية التعبير.

إن بناء الوعي أصبح اليوم أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، لأن الدولة التي تمتلك مجتمعا واعيا قادرا على التحقق من المعلومات، أقل عرضة للاختراق الفكري والنفسي، وأكثر قدرة على الصمود في مواجهة حملات التضليل، ولذلك فإن الاستثمار في الثقافة والإعلام والتعليم لم يعد ترفا بل أصبح جزءا أصيلا من منظومة حماية الدولة الحديثة.

إن ما نشهده اليوم يجب أن يدفعنا إلى قراءة المشهد بقدر كبير من المسؤولية وما يبدو الآن مجرد أخبار زائفة أو مقاطع مفبركة أو شائعات عابرة، قد يتحول في لحظة إقليمية أو دولية فارقة إلى سلاح شديد الفاعلية، يستخدم لإدارة الصراعات والتأثير في مصائر الشعوب ومع تسارع التطور التكنولوجي، فإن معركة المستقبل لن تكون فقط على الأرض أو في البحر أو في الجو، وإنما ستكون، قبل كل شيء، معركة على العقول ومن ينجح في امتلاك وعي الناس، يمتلك القدرة على توجيه الأحداث وصناعة المستقبل، ولذلك فإن حماية الحقيقة أصبحت اليوم إحدى أهم معارك الدولة والمجتمع معا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى