منوعات

حرب أكتوبر المجيدة: يوم حطمت إراده مصر أوهام القوة وصنع الجيش المصري المستحيل

 

دكتور طارق المالح

​في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن عقارب الساعة تشير إلى الثانية ظهراً فحسب، بل كانت تسجل لحظة ميلاد جديدة لأمة أُراد لها أن تُستنسخ في قالب الهزيمة، فرفضت الاستسلام وأعادت كتابة التاريخ العسكري بدموع الشهداء وعرق المقاتلين.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، بل كانت صراع إرادات، وزلزالاً سياسياً واستراتيجياً أعاد تشكيل خريطة الشرق الأوسط، وهدم أساطير أمنية ظنّ العالم لسنوات طويلة أنها غير قابلة للكسر.
​لقد دخلت مصر حرب 1973 وهي تحمل على كاهلها عبء سنوات النكسة القاسية، وتواجه خطاً دفاعياً وصفه خبراء العسكرية الغربيون بأنه “أعتى مانع مائي ودفاعي في التاريخ الحديث”. خط بارليف المنيع، والساتر الترابي الخرافي، والتفوق الجوي المستند إلى أحدث ما أبدعته المصانع العسكرية الغربية، كل هذه المعطيات الرقمية كانت تؤكد في أروقة مراكز الأبحاث الدولية أن أي محاولة مصرية للعبور هي نوع من الانتحار الجسيم.
لكن ما لم تحسبه أجهزة الاستخبارات وما أهملته معادلات القوة التقليدية هو العاطفة الوطنية والعبقرية التخطيطية للجيش المصري، لقد كانت الحرب درساً في إدارة الصراع الشامل.
نجحت القيادة المصرية في سيمفونية الخداع الاستراتيجي التي أربكت أعتى أجهزة الاستخبارات الدولية، وجعلت لحظة الصفر مفاجأة صدمت دوائر القرار في تل أبيب وواشنطن على حد سواء.
ولم تتوقف العبقرية السياسية عند حدود الميدان، بل امتدت لتصنع التضامن العربي الأقوى في التاريخ الحديث، حيث تحول سلاح النفط والدعم العربي إلى أوراق ضغط سياسية أربكت المنظومة الدولية وأجبرت القوى العظمى على إعادة تقييم مواقفها.
لقد أثبت العقل المصري أن الحاجة هي أم الابتكار، وأن الإرادة تتفوق على التكنولوجيا إذا ما اقترنت بالعلم والتطوير، من استخدام مضخات المياه الخرطومية لفلق الساتر الترابي، إلى شبكة دفاع جوي معقدة صنعت “حائط صواريخ” أربك الطيران المعادي، وصولاً إلى إقتحام الجسور لقناة السويس تحت أتون النار، قدم الجيش المصري عقيدة قتالية تُدرّس حتى اليوم في أكبر الأكاديميات العسكرية العالمية.
لقد تحول المقاتل المصري إلى رمز للبسالّة والدقة، مُثبتاً أن العقيدة الوطنية الصافية هي اليد التي تحرك السلاح وتصنع الفارق.
​إن العظمة الحقيقية لحرب أكتوبر لا تكمن فقط في استعادة أرض سيناء المقدسة ومسح غبار النكسة، بل في كونها أسست لواقع سياسي جديد وقاعدة ارتكاز لقوة مصر الإقليمية.
لقد أثبتت الحرب أن السلام لا يُمنح كمنّة أو هبة، بل يُفرض بقوة السلاح وحكمة القرار، فلولا العبور العظيم ولولا دماء الشهداء التي روت تراب سيناء لما كانت هناك مفاوضات ولا استعادة كاملة للسيادة الوطنية.

​يبقى السادس من أكتوبر يوماً شاهداً على أن الجيش المصري ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو الدرع والسيف لهذا الوطن، والقلب النابض لاستقراره.
إنها الذكرى التي تذكر الأجيال المتعاقبة بأنه مهما بلغت التحديات وكبُرت المؤامرات، فإن هذا الشعب وجيشه قادران دوماً على قلب المعادلة وتجاوز المستحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى