صورة حقيقية.. وحكاية كاذبة

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
لم تعد الشائعة تحتاج إلى شخص يقف في الشارع ليرويها، ولا إلى جلسة على مقهى يتناقل فيها الناس خبرا مجهول المصدر، يكفي الآن هاتف في يد أحدهم، وصورة قديمة، وفيديو جرى اقتطاعه من سياقه، أو جملة مكتوبة بثقة شديدة، ثم ضغطة واحدة على زر الإرسال، لتبدأ الحكاية في الانتشار، وبعد دقائق قد تصبح المعلومة التي لم يعرف أحد مصدرها قبل قليل حديث الناس في الشوارع والبيوت وجروبات المناطق والقرى.
المشكلة أن الشائعة الحديثة لم تعد دائما خبرا مختلقا بالكامل، أحيانا تكون الصورة حقيقية، والفيديو حقيقيا، والصوت حقيقيا، لكن الحكاية التي أُلحقت بها كاذبة، صورة لشارع في مدينة أخرى تنشر ، وفيديو قديم يعاد تقديمه باعتباره حدثا وقع صباح اليوم، وتصريح صحيح يخرج من سياقه ليحمل معنى لم يقصده صاحبه، وفي هذه الحالة يصبح اكتشاف الحقيقة أكثر صعوبة، لأن المتلقي يرى شيئا حقيقيا أمام عينيه، فيفترض أن الرواية المصاحبة له حقيقية بالضرورة.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة إلى المشهد، لم يعد إنتاج صورة غير حقيقية أو مقطع صوتي مقلد أمرا يحتاج إلى خبرة تقنية كبيرة، وأصبح من الممكن إنتاج محتوى شديد الإقناع خلال وقت قصير، وهنا لم تعد القضية مرتبطة فقط بمنشور كاذب، وإنما بقدرة الإنسان على التمييز بين ما حدث فعلا وما صُمم ليبدو وكأنه حدث.
إن هذا التطور يضع مفهوم الوعي أمام مسؤولية جديدة، الوعي لم يعد مجرد معرفة ما يدور حولنا، وإنما القدرة على التوقف قبل التصديق، والسؤال عن المصدر، والتاريخ، والسياق، ومقارنة المعلومة بمصدر آخر، المواطن الذي يتلقى رسالة على هاتفه ليس مطالبا بأن يكون خبيرا في التكنولوجيا، لكنه يستطيع أن يسأل سؤالا بسيطا: من نشر هذا الكلام أولا؟ وهل هناك جهة رسمية أو وسيلة إعلام موثوقة تحدثت عنه؟ وهل الصورة تخص الحدث فعلا أم جرى استخدامها من مناسبة أخرى؟
وفي المجتمعات المحلية تبدو المسألة أكثر حساسية؛ لأن الخبر الذي يتعلق بمدرسة أو مستشفى أو طريق أو قرار يخص منطقة بعينها ينتشر بسرعة أكبر، بحكم أن الناس يشعرون بأنه يمس حياتهم مباشرة، وقد تبدأ القصة برسالة على جروب للمنطقة، ثم تنتقل إلى جروب آخر، وبعدها إلى صفحات عامة، وفي كل انتقال تزداد الجملة شيئا من التفاصيل حتى تبدو وكأنها حقيقة مكتملة، رغم أن أصلها ربما كان مجرد سؤال أو توقع أو معلومة غير مؤكدة.
الأخطر أن بعض الناس يشاركون المحتوى بحسن نية، بدافع التحذير أو الرغبة في مساعدة الآخرين، لكن حسن النية لا يجعل المعلومة صحيحة، وإعادة نشر الخبر غير الموثوق قد تمنحه قوة أكبر من الخبر الأصلي، لهذا أصبح التصرف الأكثر وعيا في كثير من الأحيان هو عدم المشاركة، أو الانتظار حتى تتضح الحقيقة.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المختلفة في بناء ما يمكن تسميته بالمناعة الرقمية، نحن لا نستطيع أن نمنع الناس من استخدام مواقع التواصل، ولا نحتاج إلى ذلك، لكن يمكن أن نعلم أبناءنا أن الهاتف ليس مصدرا للحقيقة، وأن كثرة المشاركات لا تعني صحة الخبر، وأن آلاف التعليقات لا يمكن أن تكون بديلا عن مصدر موثوق.
الذكاء الاصطناعي نفسه ليس المشكلة، كما أن مواقع التواصل ليست المشكلة وحدها، التكنولوجيا أدوات، ويمكن استخدامها في التعليم والعمل والخدمات والإبداع، كما يمكن إساءة استخدامها في التضليل، الفارق الحقيقي يصنعه الإنسان الذي يستخدمها، والعقل الذي يستقبل ما تنتجه.
لقد أصبحنا نعيش في زمن تستطيع فيه الصورة أن تصل إلى آلاف الأشخاص قبل أن يصل التصحيح إلى مئات منهم، ولذلك فإن معركة الوعي تبدأ من لحظة صغيرة جدا: اللحظة التي تصل فيها رسالة إلى هاتفك، وتقرر فيها ألا تضغط «إرسال» قبل أن تعرف هل ما أمامك حقيقة أم مجرد حكاية مصنوعة بإتقان.
ليست كل صورة دليلا على القصة التي تروى معها، وليس كل فيديو شاهدا على الزمن الذي نراه فيه، وليس كل صوت مسجل دليلا على أن صاحبه قال ما نسب إليه، وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع أشياء تبدو حقيقية، تصبح القدرة على التحقق واحدة من أهم مهارات المواطن العادي.
الحقيقة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يقولها، وإنما إلى من يحسن البحث عنها قبل أن يشارك غيرها.