شريحة الطفل… حماية الأسرة تبدأ من الهاتف

اللواء الدكتور رضا فرحات:
محافظ الإسكندرية الأسبق
خبير الإدارة المحلية
قبل سنوات كان خوف الأسرة على أبنائها يبدأ من الشارع وينتهي عند باب المنزل ولكن اليوم تبدلت الصورة تماما، وأصبح الهاتف المحمول هو الباب الذي يدخل منه العالم كله إلى غرفة الطفل، هذا العالم يحمل المعرفة والتعلم والتواصل، لكنه يحمل أيضا مخاطر لا تقل خطورة عن أي تهديد في الواقع، وربما تزيد لأنها تصل إلى الطفل وهو جالس بين أفراد أسرته.
إن إطلاق ما يعرف بـ”شريحة الطفل” ليس مجرد خدمة جديدة تقدمها وزارة الاتصالات، وإنما اعتراف رسمي بأن حماية الأطفال لم تعد مسؤولية تربوية فقط، بل أصبحت مسؤولية رقمية أيضا وعندما تتدخل الدولة و توفر وسيلة تساعد الأسرة على متابعة استخدام أبنائها للإنترنت، فإنها لا تتدخل في دور الأسرة، بل تمنحها أداة كانت في حاجة إليها منذ سنوات.
تابعت خلال الفترة الماضية عشرات الوقائع المرتبطة بالابتزاز الإلكتروني والتنمر والمحتوى غير اللائق، وكانت القاسم المشترك بينها أن الضحية طفل أو مراهق، وأن الأسرة اكتشفت المشكلة بعد وقوعها، لذلك فإن الوقاية تظل دائما أقل تكلفة من العلاج، سواء كان علاجا نفسيا أو اجتماعيا أو حتى قانونيا، التكنولوجيا ليست عدوا لأبنائنا، بل على العكس، هي جزء من مستقبلهم، ومن الخطأ أن نتعامل معها بمنطق المنع الكامل و المطلوب هو أن نعلم أبناءنا كيف يستخدمونها، وأن نوفر لهم بيئة رقمية آمنة تسمح لهم بالاستفادة منها دون أن يتحولوا إلى ضحايا لها وهذه هي الفلسفة التي يجب أن تحكم أي سياسة تتعلق بحماية الأطفال في العصر الرقمي.
من وجهة نظري، إن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة أنها تنفذ رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي التي تضع بناء الإنسان في مقدمة أولويات الدولة لأن بناء الإنسان لا يقتصر على إنشاء المدارس أو تطوير المستشفيات أو توفير فرص العمل، وإنما يشمل أيضا حماية وعي الأطفال، والحفاظ على صحتهم النفسية، وتأمينهم من المخاطر الجديدة التي فرضتها الثورة الرقمية لكنني أعتقد أيضا أن أي وسيلة تقنية، مهما بلغت كفاءتها، لن تحقق الهدف وحدها فلا توجد شريحة تستطيع أن تعوض غياب الحوار داخل الأسرة، أو أن تحل محل الأب والأم في متابعة الأبناء، الطفل يحتاج إلى الثقة بقدر احتياجه إلى الرقابة، ويحتاج إلى من يشرح له لماذا يبتعد عن بعض المواقع، لا أن يمنع منها فقط لذلك تبقى الأسرة هي خط الدفاع الأول، وتأتي التكنولوجيا لتدعم هذا الدور، لا لتحل محله.
المدرسة أيضا مطالبة بأن يكون لها دور أكبر في نشر ثقافة الأمان الرقمي، الأطفال يتعاملون مع الإنترنت يوميا، بينما لا يزال كثير منهم يجهل أبسط قواعد حماية البيانات الشخصية أو كيفية التصرف إذا تعرض لمضايقة إلكترونية، هذه الثقافة أصبحت ضرورة مثلها مثل تعلم القراءة والكتابة وأرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد مزيدا من المبادرات التي تستهدف رفع الوعي الرقمي لدى الأطفال وأولياء الأمور معا، لأن التطور التكنولوجي أسرع من أن نواجهه بردود أفعال متأخرة، نحن بحاجة إلى مجتمع يعرف كيف يستفيد من التكنولوجيا، دون أن يدفع ثمنا باهظا نتيجة سوء استخدامها.
إن قوة الدول لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه من بنية تحتية أو مشروعات كبرى، وإنما بقدرتها على حماية أجيالها الجديدة وإعدادها للمستقبل وإذا كنا نتحدث كثيرا عن الجمهورية الجديدة، فإن أحد أهم معالمها هو أن يشعر كل أب وكل أم بأن أبناءهم أكثر أمانا، ليس فقط في الشارع أو المدرسة، بل أيضا أمام الشاشة التي أصبحت نافذتهم اليومية على العالم.