أقلام حرة

في زمن السرعة.. قيمة أن نتأنى

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق

يكتب لشبان ترند

نعيش في زمن يبدو كأنه لا يمنح الإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه، خبر يصل قبل أن نعرف تفاصيله، وصورة تنتشر قبل أن نعرف قصتها، ورسالة تنتظر ردا فوريا، ومعلومة جديدة تزاحم أخرى لم نكد نستوعبها، حتى الأسئلة التي كانت تحتاج وقتا للتفكير أصبحنا نبحث لها عن إجابات جاهزة وسريعة، صار الإيقاع أسرع من قدرتنا أحيانا على أن نسأل أنفسنا: هل فهمنا فعلا ما يحدث؟

السرعة في حد ذاتها ليست مشكلة، هي واحدة من أهم علامات التقدم، والإنجاز السريع قد يكون ضرورة في كثير من المواقف، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السرعة من وسيلة إلى طريقة حياة، وعندما يصبح التأني شيئا غريبا على يومنا، ويصبح الصمت فراغا نحاول ملأه بأي حديث، وتصبح المراجعة ترددا، والتفكير الطويل تأخرا عن الآخرين.

هناك قرارات لا تحتاج إلى دقائق، وإنما تحتاج إلى عقل هادئ، وهناك كلمات قد نكتبها في ثوان، لكنها تحتاج سنوات حتى نستطيع إصلاح أثرها، رسالة غاضبة قد تفسد علاقة، وحكم متسرع قد يظلم إنسانا، ومعلومة غير مكتملة قد تصنع انطباعا يصعب تغييره بعد ذلك، لهذا كان التأني في جوهره نوعا من المسؤولية، وليس مجرد بطء.

أصبح هذا الأمر أكثر أهمية مع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا، نحن أمام أدوات تستطيع أن تبحث وتلخص وتقارن وتنتج في لحظات، وهي فرصة كبيرة إذا أحسن الإنسان استخدامها، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامنا سؤالا مختلفا: إذا أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع، فهل أصبحنا أكثر قدرة على الفهم؟ الإجابة ليست بالضرورة نعم، فالمعلومة يمكن أن تصل في ثانية، أما الفهم فيحتاج إلى عقل يربط بينها، وسياق يفسرها، وتجربة تمنحها معناها.

وربما لهذا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة فضيلة قديمة: أن نفكر قبل أن نحكم، وأن نسمع قبل أن نرد، وأن نقرأ التفاصيل قبل أن نكون موقفا نهائيا، ليس كل ما يظهر أمامنا يستحق أن نصدقه، وليس كل ما ينتشر يستحق أن نعيد نشره، وليس كل رأي يحتاج إلى رد، وليس كل خلاف يحتاج إلى معركة.

حتى في حياتنا اليومية، هناك أشياء جميلة لا تدرك بسرعة، الأب الذي يجلس إلى جوار ابنه ويستمع إليه دون أن ينظر إلى هاتفه، الأم التي تمنح أبناءها وقتا حقيقيا للكلام، الصديق الذي يترك لصديقه مساحة ليحكي، والإنسان الذي يمشي قليلا دون هدف سوى أن يستعيد هدوءه، هذه التفاصيل تبدو صغيرة وسط عالم مزدحم، لكنها في الحقيقة من الأشياء التي تحفظ للإنسان توازنه.

نحن لا نحتاج إلى أن نعود إلى زمن بطيء، ولا يمكننا ذلك أصلا، العالم يتغير، والتكنولوجيا تتقدم، والقرارات تتسارع، والمعلومات أصبحت جزءا أساسيا من إدارة الدول والمؤسسات وحياة الأفراد، لكن ما نستطيع أن نفعله هو أن نحتفظ داخل هذا العالم السريع بمساحة صغيرة للهدوء؛ مساحة لا تسمح للسرعة بأن تصادر منا قدرتنا على التفكير.

الدول أيضا لا تدار بردود الأفعال وحدها، في لحظات الأزمات، تكون قيمة الدولة في قدرتها على رؤية ما وراء اللحظة، وقراءة المشهد كاملا، والتمييز بين ما هو عابر وما يمكن أن يترك أثرا طويلا، القرار الرشيد ليس دائما القرار الأسرع، وإنما القرار الذي يأتي في اللحظة المناسبة بعد أن تكون الصورة قد اكتملت بالقدر الكافي.

وفي حياتنا الشخصية الأمر لا يختلف كثيرا، أحيانا يكون أفضل قرار يمكن أن نتخذه هو ألا نتخذ القرار الآن، أن نترك للغضب ليلة، وللحزن بعض الوقت، وللمشكلة فرصة لكي تظهر جوانبها التي لم نرها في البداية، كثير من الأشياء تبدو مختلفة عندما ننظر إليها بعد أن تهدأ مشاعرنا.

ربما نحتاج في هذا الزمن إلى أن نعيد تعريف النجاح قليلا، ليس النجاح أن نكون أول من عرف، أو أول من نشر، أو أول من رد، وإنما أن نكون أكثر قدرة على الفهم، وأقل اندفاعا إلى الحكم، وأكثر انتباها لما يتركه كلامنا وقراراتنا في حياة الآخرين.


تستطيع أن تختصر المسافة، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا الحكمة، والتكنولوجيا يمكن أن توسع قدرتنا، لكنها لا تستطيع أن تعيش التجربة بدلا منا، أما الإنسان، فسيظل محتاجا إلى لحظة يتوقف فيها عن مطاردة العالم، وينظر إلى نفسه، ويسأل بهدوء: إلى أين أذهب؟ ولماذا؟

في زمن يركض فيه الجميع، قد لا يكون التحدي الحقيقي أن نركض أسرع، وإنما أن نعرف متى نتوقف قليلا، فبعض الإجابات لا تأتي من سرعة البحث، وبعض القرارات لا تنضج تحت ضغط اللحظة، وبعض المعاني لا تظهر إلا عندما نصمت قليلا ونمنح أنفسنا فرصة لأن نرى الأشياء كما هي، لا كما تبدو في أول لحظة.

التأني ليس عكس التقدم.. أحيانا يكون هو الطريق الأكثر عقلا إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى