
أصبح التعامل مع الفضاء الرقمي أحد الملفات التي تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى صميم الأمن المجتمعي وحماية الإنسان، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين يدخلون إلى عالم مفتوح تتداخل فيه المعرفة والترفيه والتواصل مع أنماط متعددة من المحتوى، بعضها قد يحمل مخاطر حقيقية على تكوينهم النفسي والفكري والاجتماعي، وتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية الأطفال دون سن الخامسة عشرة من إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خطوة تضع حماية الأجيال الجديدة في قلب أولويات الدولة في التعامل مع التحولات المتسارعة التي فرضها العصر الرقمي.
القضية لا تتعلق بمنع التكنولوجيا أو عزل الأطفال عن العالم الرقمي، فهذا أمر غير واقعي في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءا أساسيا من التعليم والمعرفة والتواصل والحياة اليومية، وإنما تتعلق بوضع قواعد تضمن أن يكون دخول الطفل إلى هذا العالم في إطار أكثر أمانا، وأن تكون التكنولوجيا أداة لبناء قدراته وليس مساحة مفتوحة يمكن أن يتعرض خلالها لمحتوى غير مناسب أو ممارسات تستهدف استغلال صغر سنه وقلة خبرته.
الطفل اليوم لا يتعامل مع الهاتف المحمول باعتباره مجرد وسيلة للترفيه، وإنما يستخدمه للحصول على المعلومات والتعلم والتواصل وصناعة المحتوى، وهو ما يجعل حماية الطفل رقميًا امتدادا طبيعيا لحمايته داخل المدرسة والشارع والأسرة، وإذا كانت الدولة تضع تشريعات وضوابط لحماية الأطفال من المخاطر في العالم الواقعي، فإن التحول الرقمي يفرض تطوير منظومة الحماية لتشمل العالم الافتراضي بالقدر نفسه من الجدية.
الأهم أن المواجهة لا ينبغي أن تختزل في الإجراءات التقنية وحدها، حماية الأطفال من إساءة استخدام وسائل التواصل تحتاج إلى منظومة متكاملة تضم الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية والجهات المعنية بالتكنولوجيا، بحيث يتحول الوعي الرقمي إلى جزء أساسي من التربية الحديثة، الرقابة الأسرية الواعية، والتربية على الاستخدام المسؤول، وتعليم الطفل كيفية التعامل مع المحتوى المشبوه، وعدم مشاركة بياناته الشخصية مع الغرباء، والإبلاغ عن أي محاولة ابتزاز أو استدراج، كلها أدوات لا تقل أهمية عن الإجراءات التقنية والقانونية.
إن أخطر ما في العالم الرقمي ليس التكنولوجيا ذاتها، وإنما غياب الوعي بكيفية استخدامها، المنصات الرقمية يمكن أن تكون مساحة هائلة للتعلم والإبداع واكتشاف المواهب، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى بيئة تسمح بالتنمر الإلكتروني، والاستدراج، وانتهاك الخصوصية، والتعرض لمحتوى غير ملائم للعمر، فضلا عن أنماط جديدة من التأثير على طريقة تفكير الأطفال وتكوين تصوراتهم عن أنفسهم وعن المجتمع والعالم من حولهم.
إن حماية الطفل رقميا يجب أن تقوم على معادلة دقيقة: لا عزل عن التكنولوجيا، ولا ترك بلا حماية، المطلوب هو بناء بيئة رقمية أكثر أمانا، مع الحفاظ على حق الأجيال الجديدة في المعرفة والتعلم والتعبير والإبداع وهذا يتطلب تعاونا مستمرا بين الدولة وشركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية، ووضع آليات أكثر فاعلية للتحقق من أعمار المستخدمين، والتعامل السريع مع المحتوى الضار، وحماية بيانات الأطفال، إلى جانب تطوير أدوات الإبلاغ والاستجابة للشكاوى.
القضية تفتح الباب أمام مفهوم أوسع يتعلق بالأمن القومي في العصر الرقمي؛ فالأمن لم يعد مرتبطا فقط بحماية الحدود والمنشآت والمعلومات الحساسة، وإنما أصبح مرتبطا كذلك بحماية الوعي العام وقدرة المجتمع على التعامل مع تدفق المعلومات والمحتوى، والأطفال يمثلون الفئة الأكثر احتياجا إلى هذه الحماية، لأن ما يتعرضون له اليوم يمكن أن يترك أثرا طويل المدى في شخصياتهم وقيمهم وطريقة إدراكهم للعالم.
ولا يمكن أن تنجح أي سياسة في هذا المجال إذا تعاملت مع الأسرة باعتبارها مجرد متلقٍ للتعليمات، بل يجب أن تكون الأسرة شريكا أساسيا في بناء منظومة الحماية، الحوار مع الطفل، ومتابعة ما يشاهده، وفهم التطبيقات التي يستخدمها، وتعليمه عدم الوثوق في الغرباء، وعدم مشاركة الصور أو البيانات الخاصة، كلها ممارسات يومية قادرة على تقليل المخاطر بدرجة كبيرة.
وفي الوقت نفسه، تحتاج المدارس إلى تطوير مفهوم التربية الرقمية، بحيث لا يقتصر الأمر على تعليم استخدام التكنولوجيا، وإنما يمتد إلى تعليم قواعد السلامة الرقمية، وكيفية التحقق من المعلومات، والتمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل، والتعامل مع التنمر والابتزاز والاستدراج الإلكتروني، المواطنة الرقمية أصبحت جزءا من المواطنة الحديثة، ولا يمكن إعداد طفل قادر على التعامل مع المستقبل دون إكسابه هذه المهارات.
المطلوب في المرحلة المقبلة هو بناء نموذج مصري متكامل للحماية الرقمية، يجمع بين التشريع والتكنولوجيا والتربية والوعي، ويوازن بين حماية الطفل والحفاظ على حقه في المعرفة والتواصل، المعركة الحقيقية ليست ضد وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما ضد الاستخدام غير الآمن لها، وضد كل من يحاول تحويل الفضاء الرقمي من أداة للمعرفة والإبداع إلى وسيلة للإضرار بالأطفال أو التأثير في وعيهم.
وحماية الأطفال في العالم الرقمي ليست رفاهية، بل استثمار مباشر في مستقبل المجتمع، وكلما نجحنا في منح الأجيال الجديدة أدوات الاستخدام الآمن والواعي للتكنولوجيا، أصبحنا أكثر قدرة على بناء مجتمع يمتلك المعرفة دون أن يفقد بوصلته، وينفتح على العالم دون أن يترك أطفاله عرضة لمخاطره.