أقلام حرة

حصن الاستقرار وريادة الإقليم: مصر وسياسة التهدئة في منطقة على صفيح ساخن

كتب الدكتور طارق المالح.

​تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة منعطفاً تاريخياً بالغ الدقة والتعقيد، تتكالب فيه الأزمات الإقليمية وتتداخل الصراعات الدولية، لتوضع شعوب المنطقة أمام اختبارات وجودية قاسية.

وفي خضم هذه العواصف العاتية، تبرز الدولة المصرية كرمانة ميزان استراتيجية، وقطب قيادي لا غنى عنه لصياغة قواعد الاستقرار الإقليمي.

لم تكن السياسة المصرية يوماً أسيرة لردود الفعل الانفعالية، بل انطلقت دوماً من رؤية عميقة تؤمن بأن “صناعة السلام وإرساء التهدئة هما الوجه الآخر للسيادة الوطنية الحقة، وأن حماية الأمن القومي المصري تبدأ بالضرورة من احتواء الحرائق المجاورة ودرء مخاطر الفوضى المدمرة.
​أولاً: الدبلوماسية المصرية (عقيدة الردع الرشيد واحتواء الأزمات)……
​تتبنى القيادة السياسية المصرية عقيدة استراتيجية راسخة تقوم على تغليب المسارات السياسية والدبلوماسية في حل النزاعات، مع الاحتفاظ بكامل الجاهزية والقدرة على حماية الأمن القومي.

وفي صراع غزة الأخير وتداعياته الإقليمية، أثبتت الدبلوماسية المصرية أنها اللاعب الأقدر على الجمع بين صلابة الموقف وثبات المبادئ وبين مرونة التحرك.
● ​إدارة الأزمات المعقدة: نجحت مصر مراراً في وقف نزيف الدم الفلسطيني عبر صفقات تبادل أسرى وجهود مضنية لوقف إطلاق النار، مانعةً اتساع نطاق الحرب لتتحول إلى صراع إقليمي شامل تحرق نيرانه الجميع.
● ​رفض التهجير القسري: شكل الموقف المصري الحاسم برفض تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير أهالي غزة أو سيناء خط أحمر استراتيجي، أجهض المخططات التآمرية وأعاد بوصلة الاهتمام الدولي نحو ضرورة الحل العادل والشامل عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
​ثانياً: ريادة الإقليم من بوابة الأمن القومي المشترك.
​إن الدور المصري في قيادة المنطقة لا ينبع فقط من الثقل التاريخي والجغرافي والديموغرافي لمصر، بل يستند إلى فاعلية عملية على الأرض في ملفات حيوية تمس استقرار الشرق الأوسط وأمن الملاحة العالمية:
● ​استقرار البوابة الشرقية والجنوبية: لا يمكن فصل الدور المصري في غزة وفلسطين عن دورها المحوري في السودان وليبيا؛ حيث تسعى القاهرة دوماً للحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية ومنع انهيارها، إدراكاً منها أن الفراغ الأمني في أي دولة جوار يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري.
● ​حماية أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية: في ظل الاضطرابات المتسارعة التي تهدد حركة التجارة العالمية، تتحمل مصر عبئاً استراتيجياً كبيراً بصفتها الضامن الأساسي لاستقرار الممرات المائية الحيوية، مؤكدة أن أمن البحر الأحمر ليس شأناً محلياً بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين.
​ثالثاً: سياسة التهدئة كخيار استراتيجي لا كضعف.
​تتعرض مصر أحياناً لمحاولات تسخيف أو تقليل من خيارها الدائم نحو التهدئة من قبل بعض الأصوات المأزومة التي تستمرئ حروب الوكالة والدمار. غير أن قراءة التاريخ والواقع تثبت أن “التهدئة المصرية” هي سياسة قوة واقتدار، وليست ضعفاً أو تراجعاً.
● ​بناء الجسور لا حرقها: تدرك القاهرة أن استمرار الصراعات يفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية السلبية التي تستهدف تمزيق النسيج الإقليمي، ومن هنا تعمل الدبلوماسية المصرية على تفكيك الأزمات عبر الحوار وبناء التوافقات الإقليمية والدولية.
● ​التنمية مقابل الصراعات: تروج مصر لنموذج تنموي يعتمد على التكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة (كما في أطر التعاون الثلاثي والإقليمي)، قناعةً منها بأن الأجيال القادمة في المنطقة تستحق مستقبلاً مبنياً على الرخاء والبناء، لا على الخراب والدمار.

​ستظل


ووزنها الاستراتيجي، هي الشوكة التي تكسر مشاريع الفوضى والتقسيم، والملاذ الآمن لكل شعوب المنطقة التي تبحث عن الاستقرار والسلام العادل. إن سياسة التهدئة وقيادة الإقليم التي تنتهجها القاهرة ليست ترفاً سياسياً، بل هي ضرورة حتمية لحماية مستقبل الشرق الأوسط، وتأكيداً ساطعاً على أن القرار الوطني المستقل إذا اقترن بالرؤية الحكيمة، فإنه القادر بحق على توجيه دفة المنطقة نحو بر الأمان وسط الأمواج العاتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى