فاتورة الكهرباء بين دقة القراءة وحق المواطن

اللواء د. رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق
توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ضرورة التدقيق في فواتير الكهرباء ومنع التقديرات الجزافية تضع واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالحياة اليومية للمواطن أمام اختبار حقيقي للمنظومة الخدمية، فاتورة الكهرباء ليست مجرد رقم يظهر في نهاية كل شهر، وإنما نتيجة مباشرة لعملية تبدأ من قراءة العداد وتنتهي بتحديد قيمة الاستهلاك المستحق وكل خطأ في هذه السلسلة، مهما بدا محدودا، يمكن أن يتحول إلى عبء على المواطن وإلى مصدر متكرر للشكاوى وفقدان الثقة في الخدمة.
.
المشكلة الأساسية هنا ليست فقط في قيمة الفاتورة، وإنما في مدى قدرة المواطن على فهم الطريقة التي وصلت بها المنظومة إلى هذه القيمة عندما يجد المشترك زيادة كبيرة لا تتناسب مع استهلاكه المعتاد، فإنه يحتاج إلى إجابة واضحة يمكن التحقق منها: ما القراءة السابقة؟ وما القراءة الحالية؟ ومتى تم تسجيلها؟ وكيف تم احتساب الاستهلاك؟ وهل الفاتورة مبنية على قراءة فعلية أم تقدير؟ هذه التفاصيل يجب ألا تكون معلومات يصعب الوصول إليها، وإنما جزءا طبيعيا من منظومة إصدار الفاتورة.
إن اانتقال من التعامل مع قراءة العداد باعتبارها إجراء إداريا منفصلا إلى إدماجها في منظومة رقمية متكاملة، تضمن ربط القراءة الفعلية بالفاتورة وتتيح تتبعها ومراجعتها بسهولة بيانات العدادات بقاعدة إلكترونية موحدة يمكن أن يتيح تسجيل القراءات بشكل لحظي، وإرفاق ما يثبت القراءة عند تسجيلها، ثم ربطها تلقائيا ببيانات الفاتورة، وبذلك يصبح من الممكن تتبع مسار الفاتورة منذ لحظة تسجيل الاستهلاك وحتى إصدارها، وهو ما يقلل مساحة الخطأ البشري ويجعل عملية المراجعة أكثر سرعة ودقة.
التحول الرقمي في هذا الملف لا يعني فقط استخدام تطبيق أو موقع إلكتروني لتقديم الشكاوى، وإنما إعادة بناء دورة العمل نفسها على أساس البيانات، المنظومة الأكثر كفاءة هي التي تستطيع مقارنة الاستهلاك الحالي بالنمط التاريخي للمشترك، وتحديد الحالات التي تشهد زيادات غير معتادة، ثم إحالتها للمراجعة قبل إصدار الفاتورة أو على الأقل قبل مطالبة المواطن بسداد مبالغ كبيرة محل شكوى، هذا النوع من التحليل يمكن أن يحول التكنولوجيا من وسيلة لتسجيل البيانات إلى أداة للرقابة والوقاية من الخطأ.
وفي المقابل، لا بد من وجود مسار واضح وسريع للاعتراض على الفواتير، المواطن الذي يرى أن قيمة الفاتورة لا تتناسب مع استهلاكه لا ينبغي أن يدخل في إجراءات طويلة حتى يحصل على تفسير، المطلوب آلية إلكترونية مبسطة تسمح بتقديم الشكوى وإرفاق صورة العداد، مع تحديد مدة زمنية معلنة لفحصها والرد عليها وفي الحالات التي تكون فيها قيمة الفاتورة محل نزاع واضح، يجب أن تكون هناك قواعد محددة للتعامل مع المبلغ المختلف عليه لحين انتهاء الفحص، بما يحفظ حق المواطن وحق شركة التوزيع في الوقت نفسه.
كما أن مراجعة الفواتير السابقة التي ثبت وجود أخطاء فيها تمثل جزءا مهما من إصلاح المنظومة، وإذا تبين بعد الفحص أن هناك فرقا بين الاستهلاك الحقيقي والقيمة التي تم تحصيلها، فلا بد من وجود آلية واضحة للتسوية أو رد المبالغ غير المستحقة، هذه الخطوة لها أهمية تتجاوز قيمة المبلغ نفسه، لأنها تؤكد للمواطن أن منظومة الشكاوى ليست مجرد وسيلة لتلقي الاعتراضات، وإنما أداة فعلية لتصحيح الأخطاء.
وتحتاج المنظومة كذلك إلى رقابة أكثر دقة على عملية تسجيل القراءات فكلما زادت درجة الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية وتوثيق البيانات، أصبح من السهل تحديد مصدر الخطأ والمسؤول عنه وهذا يتطلب مؤشرات أداء واضحة لشركات التوزيع، تشمل نسب القراءات الفعلية، وعدد الفواتير التي جرى تعديلها بعد الشكاوى، ومتوسط زمن حل النزاعات، وحجم التقديرات مقارنة بالقراءات الحقيقية، نشر هذه المؤشرات بصورة دورية يمكن أن يخلق مستوى إضافيا من الرقابة على الأداء ويكشف مواطن الخلل التي تحتاج إلى تدخل.
الأهم أن تطوير منظومة الفواتير يجب ألا ينظر إليه باعتباره استجابة مؤقتة لشكاوى المواطنين، وإنما باعتباره جزءا من إصلاح أوسع للإدارة الحكومية، المواطن اليوم يتعامل مع خدمات رقمية في قطاعات مختلفة، ومن الطبيعي أن ينتظر المستوى نفسه من الدقة والشفافية في الخدمات الأساسية وكلما قلت المساحات التي تعتمد على الإجراءات اليدوية والتقديرات غير القابلة للتحقق، أصبحت الخدمة أكثر كفاءة وأقل عرضة للنزاع.
إن نجاح توجيهات الرئيس في ملف فواتير الكهرباء سيقاس بما يحدث داخل حياة المواطن اليومية، وليس فقط بما يصدر من قرارات وتعليمات، المطلوب أن يصل المواطن إلى فاتورة يعرف مصدر كل رقم فيها، وأن يستطيع التحقق من القراءة التي بنيت عليها، وأن يجد طريقا سريعا للاعتراض إذا وجد خطأ، وأن يحصل على تسوية عادلة إذا ثبت عدم صحة المبلغ المطلوب.
هذه ليست رفاهية إدارية، وإنما معيار أساسي لجودة الخدمة العامة، المواطن لا يطلب أكثر من أن يدفع مقابل ما استهلكه بالفعل، وأن تكون هناك منظومة واضحة تحميه من الخطأ وتحاسب المسؤول عنه، وعندما تتحول هذه القاعدة إلى إجراء إلكتروني ثابت، تصبح فاتورة الكهرباء نفسها نموذجا لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة: خدمة دقيقة، وبيانات قابلة للتحقق، ومحاسبة واضحة، وحق المواطن محفوظ.